تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
شعوبها بالضرائب لأجلها فوق ما تستنزفه من ثروة مستعمراتها وما تقترضه بعد هذا وذاك من الديون الفاحشة ، هذا مع علم كل أحد من ساستهم وعلمائهم بسوء نية كل دولة وعدم ائتمانها للأخرى . وعلم كل منهم بأنه لولا سوء النية ، وفساد الطوية ، لأمكن الاتفاق سرا وجهرا على ما يقترحه فضلاء العقلاء من تقليل الاستعداد للحرب الذي كثرت أسبابه ، واتسعت بالاختراعات أبوابه ، حتى صار خطرا على البشر وحضارتهم وعمرانهم يخشى أن يدمر أكبر مملكة من أوربة ويبيد أهلها في أيام معدودات ، وهم على هذا كله لا يزدادون إلا غلوا فيها . ولو أنهم اهتدوا بالاسلام - الذي صار وا أسفاه مجهولا حتى عند أهله - لاهتدوا الطريق ، ووجدوا المخرج من هذا المضيق . وقد كان من اصلاح الاسلام الحربي منع جعل الحرب للاكراه على الدين ، أو للابادة ، أو للاستعباد الشخصي أو القومي ، أو لسلب ثروة الأمم ، أو للذة القهر والتمتع بالشهوات . ومنها منع القسوة كالتمثيل ومنع قتل من لا يقاتل كالنساء والأطفال والعباد ، ومنع التخريب والتدمير الذي لا ضرورة تقتضيه . ولا تزال هذه الفظائع كلها على أشدها عند دول أوربة إلا استعباد الافراد باسم الملك الشخصي فهذا هو الذي يجتنبونه مع بقاء استعبادهم للأقوام والشعوب على ما كان ، في نظام ودسائس يقصد بها افساد الآداب والأديان . وقد بين شيخنا الأستاذ الامام صفة الحرب الاسلامية مع الإشارة إلى حروبهم بقوله في رسالة التوحيد « 1 » « ضم الاسلام سكان القفار العربية إلى وحدة لم يعرفها تاريخهم ، ولم يعهد لها نظير في ماضيهم ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد بلغ رسالته بأمر ربه إلى من جاور البلاد العربية من ملوك الفرس والرومان ، فهزئوا وامتنعوا ، وناصبوه وقومه الشر ، وأخافوا السابلة ، وضيقوا على المتاجر ، فغزاهم بنفسه ، وبعث إليهم البعوث في حياته ، وجرى على سنته الأئمة من صحابته ، طلبا للأمن وإبلاغا للدعوة » ثم ذكر سيرتهم العادلة الرحيمة في حربهم ثم في سلمهم ، وما أثمرته من سرعة انتشار الاسلام وقفى عليها بقوله ( ص 211 )
هامش
( 1 ) راجع ص 203 من الطبعة الخامسة لمطبعة المنار
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 310 | الشيخ محمد رشيد رضا