محرمة في الاسلام لا يبيح شيئا منها ، لأنها لحظوظ الدنيا وشهواتها ، ومن إهانة الدين المغضبة لشارع الدين أن يتخذ الدين وسيلة لها . وقد علم مما بسطناه من أحكام الجزية وعمل الصحابة بها انها ليست مما ذكر في شيء وأنها مال حقير قليل لا يفقر معطيه ، ولا يغني آخذيه ، وأن من شروطها أن تكون عن قدرة وسعة ، وان لا يكلف أحد منها ما لا يطيق
وأما كونها عنوان الدخول في حكم الاسلام وقبول سيادة أهله فهو صحيح ولكن هذا الحكم لا يبيح للمسلمين شيئا من الظلم والارهاق واستنزاف ثروة الذين يقبلونه من أهل الملل الأخرى على الوجه المعروف المشاهد في جميع المستعمرات الأوربية ، وانما تجب المساواة بينهم وبين المسلمين في العدل والحقوق والضرائب مع أن المفروض على المسلمين في أموالهم أكثر كأنواع الزكاة المفروضة ، والصدقات المندوبة ، حتى قال الفقهاء إنه يجب على المسلم نفقة المضطر من ذمي ومعاهد إذا لم يوجد من يقوم له بها من قريب وغيره . وانما زاد بعضهم ما يؤخذ من المكس من الذميين على ما يؤخذ من المسلمين بربع العشر في مقابلة الزكاة . ومع هذا يقول بعض العلماء انه لا يجب بدء الحربيين بالقتال لأجل الجزية والدخول في حكمنا إذا لم يوجد سبب آخر خلافا لمن يظن أن هذا واجب في الاسلام بالاجماع لما يراه في بعض كتب الفقه
وقد لخص الحافظ ابن حجر أقوال علماء الاسلام في حكم الجهاد التي يحتج ببعضها هؤلاء القليلو الاطلاع - في شرح البخاري عند قوله ( باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية ) فذكر أولا ان الكلام في حالين : زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما بعده ، فأما زمنه فالتحقيق من عدة أقوال ان وجوبه فيه كان عينا على من عينه صلّى اللّه عليه وسلّم في حقه . وأما بعده « فهو فرض كفاية على المشهور الا أن تدعو الحاجة اليه كأن يدهم العدو ، ويتعين على من عينه الامام [ أي الأعظم ] ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور ، ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلا عنه ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقا فليكن بدلها كذلك ، وقيل يجب كلما أمكن وهو قوي ، والذي يظهر انه استمر على ما كان عليه في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد وانتشر الاسلام في أقطار الأرض ، ثم صار إلى ما تقدم ذكره ، والتحقيق ان جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه واللّه أعلم » اه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 308
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣٠٨