فعلم من هذا التفصيل انه ليس في مسألة جهاد العدو بالسيف اجماع من المسلمين إلا في حال اعتداء الأعداء على المسلمين ، وحينئذ إذا أعلن الامام النفير العام وجبت طاعته ، وإذا استنفر بعضهم كالجند المرابط والمتعلم وغيرهم وجبت طاعته ، فإنه يطاع في الواجب الكفائي كالواجب العيني ، وقال الشيخ الموفق في المغني ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع : ( الأول ) إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان الخ ( الثاني ) إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم ( الثالث ) إذا استنفر الامام قوما لزمهم النفير معه اه بدون ذكر الأدلة . وتقدم بيان الأول في تفسير
( 8 : 15 إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ )
وانه كان في غزوة بدر إذ كان المشركون هم المعتدين . وقد تقدم في تفسير قوله تعالى
( 8 : 60 وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ )
ان الاستعداد للحرب واجب على الحكومة الاسلامية كما هو المعلوم الذي عليه العمل عند جميع دول الأرض ، وان الغرض الأول من هذا الاستعداد ارهاب عدو اللّه وهم كل من يقاوم دينه ويمنع نشره ويضطهد أهله ، وعدو المسلمين الذي يعاديهم ولو لغير دينهم كالطمع في بلادهم ، والضراوة باستعبادهم ، ليخشوا بأسهم فلا يعتدوا عليهم ، فان اعتدوا لم يجدوهم ضعفاء ولا عاجزين
والمعلوم من تاريخ البشر أن الحرب سنة من سنن الاجتماع البشري أو أكبر مظهر وأثر لسنة تنازع البقاء ، وتعارض المصالح والمنافع والأهواء ، ولا سيما أهواء الملوك والرؤساء ، رؤساء الدين ورؤساء الدنيا ، بل هي سنة من سنن بعض الحشرات التي تعيش عيشة التعاون والاجتماع كالنمل فهو يغزو ويبيد ويسترق ويستخدم رقيقه في خدمته وترفيه معيشته وغزو أعدائه ، وعلم من التاريخ أيضا ان شعوب أوربة أشد البشر ضراوة وقسوة في الحرب في أطوار حياتها كلها من همجية ، ووثنية ، ونصرانية مذهبية ، وصليبية ، ومدنية مادية . ومن علمائهم وفلاسفتهم الغابرين والمعاصرين من يرى منافع الحرب العامة في البشر أكبر من مضارها ، وان كان الخسار فيها عاما شاملا للغالبين والمغلوبين ، ولا تزال جميع دولهم تنفق على الاستعداد لها فوق ما تنفق على غيرها من مصالح الدولة والأمة ، وترهق