فان اثبات ما نحن بصدده لا يتوقف على الكشف عن حقيقة اللفظ فنحن في غنى عن إطالة الكلام وإسهابه في أمثال هذه الأبحاث
( الثاني ) أول من سن الجزية فيما علمنا كسرى أنوشروان وهو الذي رتب أصولها وجعلها طبقات . قال الإمام العلامة المحدث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري يذكر ما فعله كسرى في أمر الخراج والجزية : وألزموا الناس ما خلا أهل البيوتات والعظماء والمقاتلة والمرازبة والكتاب ومن كان في خدمة الملك وصيروها على طبقات اثنى عشر درهما وثمانية وستة وأربعة بقدر إكثار الرجل أو إقلاله ولم يلزموا الجزية من كان أنى له من السن دون العشرين وفوق الخمسين »
ثم قال « وهي الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس » وقال المؤرخ الشهير أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري - وهو أقدم زمانا من الطبري - في كتابه الاخبار الطوال في ذكر كسرى أنوشروان « ووظف الجزية على أربع طبقات وأسقطها عن أهل البيوتات والمرازبة والأساورة والكتاب ومن كان في خدمة الملك ، ولم يلزم أحدا لم تأت له عشرون سنة أو جاوز الخمسين »
ومن وقف على هذه النصوص يظهر له ان الجزية مأثورة من آل كسرى وان الشريعة الاسلامية ليست بأول واضع لها وان كسرى رفع الجزية عن الجند والمقاتلة وان عمر بن الخطاب اقتدى بهذه الوضائع
أما المعنى الذي توخاه كسرى في هذا الاستثناء فبينه العلامة ابن الأثير في كتابه الكامل ناقلا عن كلام كسرى فقال « ولما نظرت في ذلك وجدت المقاتلة أجراء لأهل العمارة وأهل العمارة أجراء للمقاتلة فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم ومجاهدتهم عمن وراءهم ، فحق على أهل العمارة أن يوفوهم أجورهم فان العمارة والأمن والسلامة في النفس والمال لا يتم إلا بهم ورأيت أن المقاتلة لا يتم لهم المقام والأكل والشرب وتثمير الأموال والأولاد إلا بأهل الخراج والعمارة فأخذت للمقاتلة من أهل الخراج ما يقوم بأودهم وتركت على أهل الخراج من مستغلاتهم ما يقوم بمؤنتهم وعمارتهم ولم أجحف بواحد من الجانبين »
وحاصله انه يجب على كل فرد من افراد الملة المدافعة عن نفسه وما له فمن كان
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 292
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٩٢