وقد حقق شمس العلماء الشيخ شبلي النعماني الهندي ( رح ) في رسالة له نشرت في المجلد الأول من المنار ان لفظ الجزية معرب وأصله فارسي [ كزيت ] وأن معناها الخراج الذي يستعان به على الحرب ، وأورد على الأول بعض الشواهد من الشعر الفارسي ثم ذكر ان في المسألة احتمالين ( أحدهما ) ان هذا اللفظ وجد في اللغتين فالأولى ان يقال إنه مما اتفقتا فيه وتوافق اللغات في الأمور التي توجد معانيها عند الأمم الناطقة بها شائع معروف ( والثاني ) ان الكلمة أصيلة في الفارسية دخيلة في العربية كأمثالها مما اخذه العرب من مجاوريهم من الفرس وهضمتها لغتهم ، واستدل على ذلك بأمور منها ما لا يدل على الدعوى دلالة صحيحة كثبوت أخذ العرب عن العجم بعض الالفاظ كالكوز والإبريق والطست ، وكزعمه ان العرب لم يتفق لهم وضع ألفاظ للمعاني الخاصة بالمدنية والعمران كالوزير والصاحب والعامل والتوقيع لما كانوا عليه من البؤس وعدم الاستيلاء والاستعباد لغيرهم من الأمم ، والأول حق غير دال ، والثاني باطل في نفسه فعدم دلالته على ما ذكر أولى . والحق ان كل أمة تجاور أمة وتخالطها تأخذ شيئا من لغتها فتعتاده فيدخل في لغتها وإن كان عندها مرادف له وهذا ما وقع بين العرب والعجم ومعرفة السابق لبعض الالفاظ المشتبهة من الأمتين فيه عسر شديد ، وقد سبق للعرب مدنيات قديمة في جزيرتهم وفي العراق الذي جاوروا فيه الفرس في تاريخهم الحديث ، فقوله « ولما كانت الجزية أيضا من خصائص الملكية كفوا مؤنة وضع لفظ بإزائها » محتمل غير حقيق . وأقوى منه ما بعده وهو مفيد سواء كان اللفظ أصيلا في العربية أو معربا دخيلا لأنه بيان للمعنى المراد من اللفظ بدلالة الاستعمال فننقله بنصه وهو :
( ومنها ) ان الحيرة - وكانت منازل آل نعمان - كانت تدين للعجم وتؤدي إليهم الاتاوه والخراج ، ولما كان كسرى أنوشروان هو الذي سن الجزية أولا كما نبينه فيما سيأتي يغلب على الظن ان العرب أول ما عرفوا الجزية في ذلك العهد وتعاوروا اللغة العجمية بعينها . ومن مساعدة الجد أن اللفظ كانت زنته زنة العربي فلم يحتاجوا في تعريبه إلى كبير مؤنة بعد ما أبدل كافها جيما صارت كأنها عربي الأصل والنجار . ومع هذه كلها فان هذا البحث لا يهمنا ولا يتعلق به كبير غرض
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 291
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٩١