يقوم بهذا العبء بنفسه فليس عليه شيء - وهؤلاء أهل الجسد والمقاتلة - وأما من كان يشغله أمر العمارة وتدبير الحرث عن المخاطرة بالنفس فيحق عليه أن يؤدي شيئا معلوما في كل سنة يصرف في وجوه حمايته والدفاع عنه - وهذا هو المعني بالجزية فإنها تؤخذ من أهل العمارة وتعطى للمقاتلة والجند الذين نصبوا أنفسهم لحماية البلاد واستتباب وسائل الأمن والسلامة لكافة العباد
( الثالث ) أن الشريعة الاسلامية وإن لم يكن شأنها شأن الملكية والسلطنة بل الغاية التي توخاها الشرع ليست الا تكميل النفس وتطهير الاخلاق والحث على الخير والردع عن الاثم ، ولكن لما كانت هذه الأمور يتوقف حصولها على نوع من السياسة الملكية لم تكن الشريعة لتغفل عنها كليا فاختارت جملة من الوضائع تكون مع سذاجتها كافلة لانتظام أمر الناس واصلاح ارتفاقاتهم
ومن ذلك الجهاد والقتال المقصود بهما الذب عن حمى الاسلام والدفع عن بيضة الملك وإزاحة الشر وبسط الامن واستتباب الراحة فجعل الجهاد فرضا محتوما على كل أحد ممن دخل في الاسلام اما كفاية وهذه إذا لم يكن النفير عاما ، وعينا إذا هاجم العدو البلد وعم النفير . قال في الهداية الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين فإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه الا أن يكون النفير عاما فحينئذ يصير من فروض الأعيان
فالمسلم لا يخلو من إحدى الخطتين إما مرتزق وهو من دخل في العسكر ونصب للقتال نفسه أو متطوع وهو من لم يأخذ نصيبه من الجهاد ولكن إذا جاءت الطامة ووقع النفير لا يمكنه الاعتزال عن القتال والتنحي عنه بل عليه أن يدخل فيما دخل المسلمون طوعا أو كرها
وإذا كان من المسلم الثابت أن المرتزق والمتطوع سيان في الحقوق الكلية التي تمنح للعسكر كان من الحق الواضح أن يعفى المسلمون كلهم من ضريبة الجزية ، أما أهل الذمة فما كان يحق للاسلام أن يجبرهم على مباشرتهم القتال في حال من الأحوال بل الامر بيدهم إن رضوا بالقتال عن أنفسهم وأموالهم عفوا عن الجزية وان أبوا أن يخاطروا بالنفس فلا أقل من أن يسامحوا بشيء من المال وهي الجزية ، ولعلك تطالبني باثبات بعض القضايا المنطوية في هذا البيان أي اثبات ان الجزية ما كانت تؤخذ من
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 293
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٩٣