تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
فعلم من هذا ان كلا منهم نسي حظا عظيما مما ذكرهم به نبيهم ولم يعملوا بالبعض الآخر كله ، بل أكثر عباداتهم وما يسمى الطقوس والناموس الأدبي هو من وضع أحبارهم ورهبانهم كما سيأتي قريبا في تفسير
( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ )
وإنما كان دين الحق عندهم ما جاءهم به موسى وعيسى عليهما السّلام ، ولو أنهم حفظوه وأقاموه كما انزل أو دانوا بما حفظوا منه دون غيره لهداهم إلى اتباع المصلح الأعظم الذي بعثه اللّه تعالى مكملا لدينه ولا تزال بشارات أنبيائهم به محفوظة فيما بقي لهم من كتبهم ، وهو محمد خاتم النبيين صلوات اللّه عليهم أجمعين فقوله تعالى
( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ )
بعد ما تقدم من الصفات السلبية بيان للمراد من المتصفين بها ، والمراد بالكتاب جنس الكتاب الإلهي الذي يشمل التوراة والإنجيل وزبور داود وغيرها ، ولكن لقب « أهل الكتاب » و
« الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ »
وإن كان لفظه عاما خص به اليهود والنصارى لأنهم هم الذين كانوا مخالطين ومجاورين للأمة العربية ومعروفين عندها كما قال تعالى مخاطبا لمشركي العرب
( 6 : 156 أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ )
وفي نصوص القرآن الصريحة ان اللّه تعالى أرسل رسلا في جميع الأمم يأمرونهم بعبادته تعالى وحده وباجتناب الطاغوت وينذرونهم يوم الجزاء ، وان منهم من قصه على خاتم الأنبياء والمرسلين في كتابه ومنهم من لم يقصص عليه ، ومن المعقول أن يكون أولو الحضارة منهم كالصينيين والهنود والفرس والمصريين واليونان قد كتبوا كلهم أو بعضهم ما أوحي إلى رسلهم فضاع بطول الأمد أو خلط بغيره ولم يعد أصله معروفا ، وإذا كان اليهود والنصارى قد كان من أمر كتبهم ما علمنا من ضياع بعضها وانقطاع سند ما بقي منها والعهد قريب ، فلا غرو أن يكون ما سبقها من الكتب أضيع - والعهد بعيد أي بعيد وقد ذكر اللّه تعالى الصابئين والمجوس منهم في كتابه لاتصال بلادهم ببلاد العرب فلم يدخلهم في عموم المشركين ولا نظمهم في سلك أهل الكتاب ، لأنه جعل لقب المشركين خاصا بوثنيي العرب ، ولقب أهل الكتاب خاصا باليهود والنصارى ، وإن كان قد دخل عليهم الشرك ، والتاريخ يدل على أن الفريقين