تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
وأما اليوم الآخر فالفريقان يخالفان فيه المسلمين وكذا الموحدون من النصارى فإنهم انما يقولون بأن حياة الآخرة روحانية محضة يكون فيها أهلها من الناس كالملائكة ، ونحن نؤمن بان الانسان يكون فيها انسانا لا تنقلب حقيقته بل يبقى مؤلفا من جسد وروح ، ويتمتع الكاملون الناجون بجميع نعيم الأرواح والأجساد وتكون أرواحهم أقوى وليس في التوراة التي في أيدي اليهود والنصارى بيان صريح للبعث والجزاء بعد الموت وانما فيها وفي مزامير داود إشارات غير صريحة وأما كونهم لا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ففيه قولان للمفسرين . أحدهم أن المراد به ما حرم في شرعنا ، ويرد عليه أنه لا يعقل أن يحرموا على أنفسهم ما حرم اللّه ورسوله علينا إلا إذا أسلموا ، وانما الكلام في أهل الكتاب لا في المسلمين العاصين ، ( والثاني ) أنه ما حرم في شرعهم الذي جاء به موسى ونسخ بعضه عيسى عليهما السّلام ، وحينئذ يكون المراد به في اليهود أنهم لا يلتزمونه كله بالعمل كاتباعهم عادات المشركين في القتال والنفي ومفاداة الاسرى « 1 » الذي قال تعالى فيه لهم
( أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ )
واستحلالهم لاكل أموال الناس بالباطل كالربا وغير ذلك . والمراد به في النصارى أنهم استباحوا ما حرم عليهم في التوراة مما لم ينسخه الإنجيل واتبعوا مقدسهم بولس في إباحة جميع محرمات الطعام والشراب فيها إلا ما ذبح للأصنام إذا قيل للمسيحي انه مذبوح لوثن فيراعى ضمير القائل امامه وعلله بأن كل شيء طاهر للطاهرين وان ما يدخل الفم لا ينجس الفم وانما ينجسه ما يخرج منه . وهذا بعض ما يقال في النصارى في عصر التنزيل ، وأما نصارى هذا الزمان ولا سيما أهل أوربة فإنهم أبعد خلق اللّه عن كل ما في أناجيلهم من الزهد والسلم والتقشف كما بينا ذلك مرارا . ولكنهم بعد الاسراف في الشهوات ، والطغيان في العدوان ، والالحاد في الديان ، طفقوا يبحثون في حقيقة الأديان ، فتظهر لهم أنوار الاسلام ، والمرجو أن يهتدوا به في يوم من الأيام اختار السيد الآلوسي القول الأول وضعف الثاني فقال في تفسير الجملة :
هامش
( 1 ) راجع الآية 84 و 85 من سورة البقرة وتفسيرهما في ص 371 ج 1