تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
وكذلك النصارى لم يحفظوا كل ما بلغهم عيسى عليه السّلام من العقائد والوصايا والاحكام القليلة الناسخة لبعض تشديدات التوراة وهو دين اللّه الحق بل كتب كثيرون منهم تواريخ له أودعها كل كاتب منهم ما عرفه من ذلك ومن غيره ، فجاءت المجامع الرسمية بعد ثلاثة قرون فاعتمدت أربعة أناجيل من زهاء سبعين إنجيلا رفضتها وسمتها [ أبو كريف ] اي غير قانونية ، وقد وصل الينا إنجيل القديس برنابا منها وهو من أصحاب المسيح ورسله لهداية الناس فإذا فيه من أصول التوحيد والصفات الإلهية والحكم والمواعظ العالية ما يفوق ما في الأربعة القانونية ثم إنهم نقضوا شريعة التوراة من بعده وأخذوا بتعاليم بولس كما تقدم وهو فيلسوف يهودي تنصر بعد المسيح وقبل تنصره الحواريون الذين يسمونهم [ الرسل ] بشفاعة برنابا لأنه كان عدوا لهم مع أنهم ينقلون عن المسيح أنه قال : ما جئت لأنقض الناموس وانما جئت لأتمم . والناموس هو شريعة موسى ، وهذا موافق لما حكاه اللّه تعالى عنه بقوله في سورة آل عمران
( 3 : 49 وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ )
وانما قال
( لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ )
اي الشريعة لان بعضها كان فقد باحراق البابليين لنسخة موسى التي كتبها بيده كما ذكرنا آنفا وتقدم من قبل مفصلا . ولم يكتف النصارى بهذا بل وضع لهم أحبار رومية وغيرهم من أساقفتهم ورهبانهم شرائع كثيرة في العبادات والحلال والحرام يخالف فيها كل فريق منهم مذهب الآخر يقول اللّه تعالى فيما ذكرناه آنفا عن أهل الملتين بعد ذكر ما أخذه على أمة موسى من الميثاق من سورة المائدة
( 5 : 14 فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ، وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ 15 وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ )
وفي الآيتين من الحقائق التي كانت مجهولة ومن أخبار الغيب عن الماضي والمستقبل ما يعد من حجج القرآن على أنه وحي من اللّه ليس للنبي الأمي صلّى اللّه عليه وسلّم منه إلا تبليغه والعمل به
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 287 | الشيخ محمد رشيد رضا