المراد به أي ما ثبت تحريمه بالوحي متلوّا وغير متلو ، فالمراد بالرسول نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وقيل رسولهم الذين يدعون اتباعه فإنهم بدلوا شريعته وأحلوا وحرموا من عند أنفسهم اتباعا لأهوائهم فيكون المراد لا يتبعون شريعتنا ولا شريعتهم ، ومجموع الامرين سبب لقتالهم ، وإن كان التحريف بعد النسخ ليس علة مستقلة اه
واختار السيد محمد صديق حسن الثاني فقال في فتح البيان ( ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ) مما ثبت في كتبهم فان اللّه حرم عليهم الشحوم فأذابوها وباعوها وأكلوا أثمانها وحرم عليهم أشياء كثيرة فأحلوها . قال سعيد بن جبير في الآية : يعني لا يصدقون بتوحيد اللّه وما حرم اللّه من الخمر والخنزير . وقيل معناه لا يحرمون ما حرم اللّه في القرآن ولا ما حرم رسوله في السنة . والأول أولى . وقيل لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم ، وقلدوا أحبارهم ورهبانهم فاتخذوهم أربابا من دون اللّه اه
وأما كونهم لا يدينون دين الحق فمعناه على القول الأول فيما قبله انهم لا يدينون اللّه بدينه الحق الكامل الأخير المكمل والمبين لما اختلفوا فيه من قبل ، والناسخ لما لا يصلح للبشر منه فيما بعد ، وهو الاسلام . يقال دان دين الاسلام أو غيره ودان به . وهو الأصل ومعناه على القول الثاني ان الدين الذي يتقلده كل منهم انما هو دين تقليدي وضعه لهم أحبارهم وأساقفتهم بآرائهم الاجتهادية وأهوائهم المذهبية لا دين اللّه الحق الذي أوحاه إلى موسى وعيسى عليهما السّلام . ذلك بأن اليهود لم يحفظوا ما استحفظوا من التوراة التي كتبها موسى وكان يحكم بها هو والنبيون من بعده ، ويخالفهم الفاسقون الناقضون لعهده الذي أخذه عليهم قبل موته ، إلى أن عاقبهم اللّه تعالى بتسليط البابليين عليهم فجاسوا خلال الديار ، وأحرقوا الهيكل وما فيه من تلك الاسفار ، وسبوا بقية السيف منهم ، وأجلوهم عن وطنهم إلى أرض مستعبديهم ، فدانوا لشريعة غير شريعتهم ، ولما أعتقوهم من الرق ، وأعادوهم إلى تلك الأرض ، وكانوا قد فقدوا نص التوراة وإنما حفظوا بعضها دون بعض ، كتبوا ما حفظوا من شريعة الرب ، ممزوجا بما دانوا من شريعة ملك بابل كما امر كاهنهم عزرا ( عزيرا ) ثم إنهم حرفوا وبدلوا ولم يقيموها كما أمروا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 286
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٨٦