ويشربون فيها ، وروى أحمد وأبو داود من حديث جابر بن عبد اللّه قال كنا نغزو مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ذلك علينا
وقد استدل القائلون بنجاسة الكافر بمفهوم حديث « إن المؤمن لا ينجس » وقد رواه الجماعة كلهم من حديث أبي هريرة وجاء بلفظ « المسلم » من حديث حذيفة رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي ، وهو مفهوم لقب وليس بحجة عند الجمهور القائلين بمفهوم المخالفة وأبو حنيفة لا يقول به . واستدلوا أيضا بحديث الامر بغسل آنية أهل الكتاب والأكل فيها ان لم يوجد غيرها وهو في الصحيحين من حديث أبي ثعلبة وقد بين أبو داود علته وهو قوله انهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر . وكذا حديث إنقاء أواني المجوس غسلا والطبخ فيها وهذا كله من الامر بالنظافة ولا دلالة فيه على نجاسة أعيان الناس بمعنى القذر الذي يزال بالغسل
وجملة القول أن لفظ النجس في القرآن جاء بالمعنى اللغوي المعروف عند العرب لا بالمعنى العرفي عند الفقهاء ، وكانت العرب تصف بعض الناس بالنجس وتريد به الخبث المعنوي كالشر والأذى وإلا لما وصفوا به بعض الناس دون بعض ، كما تقدم في قول الأساس : الناس أجناس ، وأكثرهم أنجاس . ولا يطلقون النجس بمعنى القذر الذي يطلب غسله حتى إذا زال سمي طاهرا إلا فيما يدرك قذره وخبثه بالحس كالرائحة القبيحة .
هذا هو الحق الظاهر . وما أفك عنه من أفك إلا بتحكيم الاصطلاحات الفقهية وغيرها في استعمال اللغة الفصحى التي نزل بها القرآن ، ومن الغريب أخذ الرازي الشافعي المذهب بالقول الشاذ المخالف للحس واستعمال اللغة في نجاسة المشركين بعد بيان الشافعي العربي وأصحابه لبطلانه ، وقد اتبعه الألوسي في ذلك على سعة اطلاعه في الفقه واللغة وكان شافعيا ثم صار مفتيا للحنفية . وما أطلت في هذا البحث اللغوي ، إلا لتفنيد رأيهما حتى لا يغتر به أحد في هذا العصر الذي صار فيه الكثيرون من الشعوب غير الاسلامية أشد عناية من المسلمين بالنظافة التي جعلها المقلدون أحكاما تعبدية يكابرون فيها الحس واللغة والقياس وحكمة الشارع . ويوقعون مقلديهم في أشد الحرج في السفر ، وفي عداوة البشر . إذا فهمت هذا فهاك تفسير الآية
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 274
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٧٤