لأن الخطاب للجماعة وفيهم بقية من المنافقين وضعفاء الايمان كما تقدم وستأتي شواهده في الروايات الصحيحة . فيا للّه العجب من هذه الدقة في بلاغة القرآن
وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها
أي وأنزل مع هذه السكينة جنودا روحانية من الملائكة لم تروها بأبصاركم ، وانما وجدتم أثرها في قلوبكم ، بما عاد إليها من ثبات الجأش ، وشدة البأس
وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بالقتل والأسر والسبي ، وذلك منتهى الغلب والخزي
وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ
في الدنيا بكفرهم مادامو يستحبون الكفر على الايمان ويعادون أهله ويقاتلونهم عليه ، كما وعدكم فيمن بقي منهم بقوله من هذا السياق أو البلاغ
( 14 قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ )
الآية .
ويدخل في هذا الجزاء من كان حاله مثل حال أولئك الكافرين في قتال من كان على هدي أولئك المؤمنين إلى يوم الدين .
* * *
ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
ثم يتوب اللّه تعالى بعد هذا التعذيب الذي يكون في الدنيا على من يشاء من الكافرين فيهديهم إلى الاسلام ، وهم الذين لم تحط بهم خطيئات جهالة الشرك وخرافاته من جميع جوانب أنفسهم ، ولم يختم على قلوبهم بالاصرار على الجحود والتكذيب ، أو الجمود على ما الفوا بمحض التقليد ، واللّه غفور لمن يتوب عن الشرك والمعاصي رحيم بهم . ونكتة التعبير عن هذه التوبة ، وما يتلوها من المغفرة والرحمة ، بصيغة الفعل المستقبل « يتوب » اعلام المؤمنين بان ما وقع في حنين من ايمان أكثر من بقي من الذين غلبوا وعذبوا بنصر المؤمنين عليهم ، سيقع مثله لكل الذين يقدمون على قتال المؤمنين بعد عودة حال الحرب بينهم . فان من سنة اللّه في الاجتماع البشري ان يميز الخبيث من الطيب بمثل ذلك . وما من حرب من حروب المسلمين الدينية الصحيحة إلا وكان عاقبتها كذلك . ولما صار الاسلام جنسية ، وحروب أهله أهواء دنيوية فقدوا ذلك
( فصل في أصح الروايات ، المفسرة لاجمال هذه الآيات )
الخروج إلى حنين والقتال والهزيمة
قال الحافظ في أول الكلام على هذه الغزوة من الفتح : قال أهل المغازي