أي وقعت بأسبابها فكانت عقوبة على هذا الغرور والعجب الذي تشير اليه الكلمة ، وتربية للمؤمنين حتى لا يعودوا إلى الغرور بالكثرة ، لأنها ليست إلا أحد الأسباب المادية الكثيرة للنصرة ، وما تقدم بيانه من الأسباب المعنوية في سورة الأنفال أعظم « 1 » وقد قال تعالى حكاية عن المؤمنين الكاملين الذين يعلمون قيمة أسباب النصر المعنوية كالصبر والثقة باللّه والاتكال عليه
( 2 : 248 قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )
وكذلك وقعت الهزيمة بأسبابها في يوم أحد عقوبة وتربية كما تقدم في محله « 2 »
فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً
اي فلم تكن تلك الكثرة التي أعجبتكم وغرتكم كافية لانتصاركم بل لم تدفع عنكم شيئا من عار الغلب والهزيمة
وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ
أي ضاقت عليكم الأرض برحبها وسعتها فلم تجدوا لكم فيها مذهبا ولا ملتحدا
ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
أي وليتم ظهوركم لعدوكم مدبرين لا تلوون على شيء .
* * *
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
السكينة اسم للحالة والهيئة النفسية الحاصلة من السكون والطمأنينة ، وهي ضد الاضطراب والانزعاج ، وتطلق كما في المصباح على الرزانة والمهابة والوقار . والمعنى ان اللّه تعالى افرغ من سماء عزته وقدرته سكينته اللدنية على رسوله بعد ان عرض له ما عرض من الأسف والحزن على أصحابه عند وقوع الهزيمة لهم ، على أنه ثبت كالطود الراسي نفسا ، ولم يزدد إلا شجاعة واقداما وبأسا ، وعلى المؤمنين الذين ثبتوا معه وأحاطوا ببغلته وقليل ما هم في ذلك الجيش اللهام كما يعلم هذا وذاك من الروايات الصحيحة الآتية ، ثم على سائر المؤمنين الصادقين فأذهب روعهم ، وأزال حيرتهم واضطرابهم ، وعاد إليهم ما كان زال أو زلزل من ثباتهم وشجاعتهم ، ولا سيما عندما سمعوا نداءه صلّى اللّه عليه وسلّم ونداء العباس يدعوهم إلى نبيهم بأمره كما يأتي ، وانما قال ( وعلى المؤمنين ) ولم يقل وعليكم
هامش
( 1 ) راجع ذلك في ج 9 وهذا الجزء مستعينا بكلمة نصر في الفهرس العام
( 2 ) راجعيا في ج 4