عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً )
فهذه مجامع نوازع حب الولد الوالد ، والوالدة تفوقه في بعضها وتتخلف عنه في بعض . ولما كان الوالدون هم الذين يقاتلون ويحتاجون إلى الموالاة والمناصرة دون الوالدات اقتصر على ذكرهم ، تبعا لنهيه عن موالاتهم ، لان موالاتهم لهم من قبيل طاعتهم في الشرك الذي نهاهم عنه ، ونصر الشرك وأهله لأجله شرك ، بل اتفق العلماء على أن الرضاء بالكفر كفر ، فكيف بنصر الكفر على الايمان بموالاة الكافرين ونصرهم على المؤمنين ؟ ولكنه لم ينههم عن حب آبائهم المشركين بل حذرهم أن يكونوا أحب إليهم من اللّه ورسوله وجهاد مّا في سبيله ، لان هذا لا يجتمع مع الايمان الصحيح كما سيأتي ، كذلك نهاهم في سورة المجادلة عن موادة من حاد اللّه ورسوله ولو كانوا آباءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم إذا كانت لأجل المحادة كما يفيده ترتيب النهي على فعلها ، فان المودة هي المعاملة الحبية ، والمحادة شدة العداوة والبغضاء ، فاشتراك المؤمن المحب للّه ورسوله مع المحاد للّه ولرسوله في المودة المرتبة على صفتيهما جمع بين الضدين ، فهو في معنى موالاتهم بل أخص منها
( 2 ) حب الآباء للأبناء له جميع تلك المناشىء الغريزية والطبيعية ، وأنواع الشعور والعواطف النفسية ، وبعض تلك الحقوق العرفية والآداب الاجتماعية والأحكام الشرعية لا جميعها ، ولكن حب الوالد للولد أحر وأقوى وأنمى وأبقى من عكسه ، وهو أشد شعورا بمعنى كون ولده بضعة منه ، وكون وجوده مستمدا من وجوده ، ويشعر ما لا يشعر من معنى كونه نسخة ثانية منه يرجى لها من البقاء ما لا يرجى للنسخة الأولى ، فهو يحرص على بقائه كما يحرص على نفسه أو أشد ، ويحرم نفسه من كثير من الطيبات إيثارا له بها في حاضر أمره ومستقبله ، ويكابد الأهوال ويركب الصعاب وكثيرا ما يقترف الحرام في سبيل السعي والادخار له ، وقد بينا في تفسير
( 6 : 151 قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً )
الآية ان عاطفة البنوة ونعرتها من أقوى غرائز الفطرة ، وناهيك بما ينميها في النفس من قيام الوالد بشؤون الولد من التربية والتعليم وما يحدثه ذلك من العواطف في الحال ، والذكريات في الاستقبال ، وكونه مناط الآمال ، قال اللّه تعالى
( 18 : 42 الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ