تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
يتولى في الحرب من فوقه كالأب ومن هو مثله كالأخ ، دون من هو دونه ومن شأنه أن يكون تابعا له كابنه وزوجه ، ولكنهما في المرتبة الأولى في الحب ، واننا نبين مراتب هذه الأصناف الثمانية في الحب ونقفي عليها بمعنى حب اللّه ورسوله ، وكون المؤمن الصادق لا يؤثر عليهما شيئا منها ، ولا يعلو حبهما عنده حب شيء سواهما : ( 1 ) حب الأبناء للآباء له منا شئ من غرائز النفس وشعورها وعواطفها وعوارفها ومعارفها وطباعها ، ومن عرف الأقوام وآدابهم الاجتماعية وشرائعهم ودينهم ، فالولد بضعة من أبيه يرث بعض صفاته وطباعه وشمائله من جسدية ونفسية وعقلية ، وأول شيء يشعر به ، وينمي في نفسه بنماء تمييزه وعقله ، إحسان والديه اليه . واقتران صورتهما في خياله بكل محبوب له . ويتلو هذا شعوره بما هما عليه من الحنان والعطف والحدب عليه والحب الخالص له الذي لا يشوبه رياء ولا تهمة - وللوالدة القدح العلى في هذين - ويفوقها الوالد بما يحدث للولد بعد هذا من شعور الاعجاب بالعظمة والكمال والقدرة وهو من الغرائز ، والطفل يشعر بأن أباه أعظم الناس وأحقهم بالاجلال والتعظيم . وهذا الشعور إما ان ينمي ويزداد في الكبر إذا كان الوالد مستحقا له ولو من بعض الوجوه ، وإما أن يضعف ، ولكنه قلما يزول عينا وأثرا وان كان في غير محله . وقد كان العرب يتفاخرون بآبائهم في أسواقهم وفي معاهد الحج حتى قال اللّه تعالى
( 2 : 200 فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً )
يتلو ذلك شعور عزة الحماية والصيانة له من والده والذود عنه والانتقام له إذا ضيم ، وفوق هذا شعور الشرف فهو يشرف بشرفه ويحقر بضعته وخسته . فان أهين يقول أو فعل ترجف اعصابه ويتبيغ دمه ، ولا تكاد تهدأ ثائرته الا بالانتقام له . تؤيد هذه الأنواع من الشعور والغرائز ملكات تطبعها الحقوق العرفية والآداب الاجتماعية والشرائع الدينية ، فاللّه تعالى قد قرن الاحسان بالوالدين بتوحيده وعبادته وحده بمثل قوله
( 17 : 23 وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً )
الخ وقرن شكرهما بشكره في قوله
( 31 : 12 وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ )
ثم إنه أمر بمعاملتهما بالمعروف وان كانا مشركين مع نهيه عن طاعتهما إذا دعواه إلى الشرك فقال
( 13 وَإِنْ جاهَداكَ