الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا )
قالوا المعنى ان الأعمال الصالحة التي يبقى ثوابها للانسان بعد الحياة الدنيا خير من زينة المال فيها ثوابا ، وخير من البنين فيها املا ، فهو نشر على ترتيب اللف . وقد بينا أسباب حب الآباء للبنين بالتفصيل في تفسير
( 3 : 13 زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ )
الخ « 1 »
( 3 ) حب الاخوة يلي في المرتبة حب البنوة والأبوة ، والاخوان صنوان في وشيجة الرحم ، فالأخ الصغير كالولد ، والكبير كالوالد ، ويختلفان عنهما بشعور المساواة في المنبت وطبقة القرابة . وقد يماري فيه بعض الذين أفسدت فطرتهم نزغات الفلسفة المادية فيزعمون أنه من التقاليد العادية لا منشأ له من غرائز النفس ولا مقتضيات الطبع ، بل يقول بعضهم إن عداوة الاخوة أعرق في الغريزة من محبتها ، ويستدلون عليه بما ورد في الكتب الإلهية من قتل أحد ولدي آدم لأخيه في أول النشأة ، وعهد سلامة الفطرة من تأثير التنازع في شؤون الحياة ، ومن فعلة إخوة يوسف به وهم من اسلم الناس أخلاقا وخيرهم وراثة
والحق فيما قصه علينا الوحي من قتل قابيل لأخيه هابيل انه بيان لما في استعداد البشر من التنازع بين غرائز الفطرة بالتعارض بين عاطفة وشيجة الرحم وحب العلو والرجحان والامتياز على الاقران في رغائب النفس ومنافعها ، وما قد يلد من الحسد ، وما قد يتبع الحسد من البغي والعدوان . فضرب اللّه لنا مثلا لبيان هاتين الحقيقتين ليرتب عليه بيان كون غريزة الدين بل هدايته هي المهذبة للفطرة البشرية بترجيح الحق على الباطل والخير على الشر ، فكان قابيل مثلا لمن غلبت عليه النزعة الثانية وهابيل مثلا لمن غلبت عليه الأولى بترجيح هداية الدين ، وذلك قوله تعالى حكاية عنه
( 5 : 31 لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ 32 إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ )
والدليل على محبة الاخوة ووشيجة الرحم في نفس قابيل وتنازعها مع حب العلو والرجحان على أخيه أو مساواته وحسده لتقبل قربانه دونه قوله تعالى
( 33 فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ
هامش
( 1 ) يراجع في ص 241 ج 3 تفسير