مِنَ الْخاسِرِينَ )
فان التعبير عن ترجيح داعية الشر المتولدة من الحسد العارض على عاطفة حب الاخوة ورحمة الرحم « بالتطويع » من أبلغ تحديد القرآن لدقائق الحقائق باللفظ المفرد فان معنى صيغة التفعيل التكرار والتدريج في محاولة الشيء كترويض الفرس الجموح وتذليل البعير الصعب ، فهي تدل على أن قابيل كان يجد من نوازع الفطرة في نفسه الأمارة بالسوء مانعا يصدها عما زينه له الحسد من قتل أخيه ، وانها ما زالت تأمره ويعصيها حتى حملته على طاعتها بعد جهد وعناء . وقد شرحنا هذا المعنى شرحا واسعا في تفسير الآيات ( ص 345 ج 6 تفسير )
وقد وقع مثل هذا الحسد من إخوة يوسف : كبر عليهم اقبال أبيهم يعقوب بكل وجهه وكل نفسه على هذا الابن الصغير الذي لم يبلغ أن ينفعه أو ينفع الأسرة بخدمة ولا حماية ولا غيرها من مواضع آمال الآباء في الأبناء ، واعراضه عنهم على قوتهم وقيامهم بكل ما يحتاج اليه الأب والأسرة ، فزين لهم الحسد أن يقتلوه أو يغرّبوه ليجتمع الشمل ويخلولهم وجه أبيهم بالاقبال عليهم ، ويكونوا بذلك قوما صالحين بزوال سبب الشقاق والفساد فيهم ، ولكنهم بعد التشاور رجحوا تغريبه وابعاده عن أبيه عندما أشار به بعضهم ، ولولا عاطفة الرحم وهداية الدين لما رضي العشرة برأي الواحد في ترك قتله . ولماذا نحفظ هذه الوقائع الشاذة وننسى الامر الغالب الأعم وهو تواد الاخوة وتعاونهم وتناصرهم بباعث الغريزة ولوازمها ؟ ومنه ما كان من إحسان يوسف إلى اخوته ثم عفوه عنهم ثم معيشته معهم ؟
بعد هذا أذكر القارئ الذي أخاف عليه فساد الافكار المادية المغرية بعداوة الاخوة للجهل بالدين والحرمان من هدايته ، بما هو معهود في هذه البلاد من إهمال تعليمه وتربيته - أذكره بما لا يستطيع العالم المادي انكاره أو المكابرة فيه من منشأ حب الاخوة في النفس ، وما تقتضيه من التواد والتناصر في نظام الاجتماع البدوي والمدني ، وهو أن المعهود من أخلاق البشر وآدابهم وعاداتهم المنبعثة عن طباعهم وغرائزهم أن المحبة والعطف فيما بينهم يكون على قدر ما بين أفرادهم وجماعاتهم من الاشتراك في صفات النفس الموروثة وعواطفها المكتسبة بالتربية والمعاشرة وفي شؤون الحياة من طبيعية واجتماعية وفي الحقوق والآداب الشرعية والعادية ، وللاخوة من جملة