تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
هذه الأمور ما ليس لمن دونهم من الأقارب ، بله من بعد عنهم من الأجانب ، فالأخ صنو أخيه ، منبتهما واحد ، ودمهما واحد ، ووراثتهما النفسية والجسدية تتسلسل من أرومة واحدة ، وان تفاوتوا فيها ، وكل منهما يشعر بالاعتزاز بعزة الآخر الا أن يفسد فطرته الحسد ، ويحفظ من ذكريات الطفولة والصبا ما له سلطان عظيم على النفس ، وتأثير كبير في آصرة الرحمة والحب ، وما زال أهل الوسط من بيوت الناس الذين سلمت فطرتهم ، وكرمت أخلاقهم ، يحبون إخوتهم كحبهم أنفسهم وأولادهم ، ويوقرون كبيرهم توقيرهم لأبيهم ، ويرحمون صغيرهم رحمتهم لأبنائهم ، ويكفلون من يتركه والده صغيرا فيتربى مع أولادهم كأحدهم ، وقد تكون العناية به أشد . وما أطلت في هذا وما قبله هذه الإطالة النسبية إلا ليكون تفسير كتاب اللّه الذي انزل لهداية الناس واصلاح أمورهم مشتملا على ما يحتاجون اليه في هذا الزمان من درء مفاسد الفلسفة المادية القاطعة للارحام ، المفسدة للاجتماع ( 4 ) حب الزوجية ضرب خاص من شعور النفس ليس له في أنواعها ضريب ، فهو هو الذي يسكن به اضطراب النفس من ثورة الطبيعة التي تهيجها داعية النسل ، وغريزة بقاء النوع ، وهو الذي يتحد به بشران فيكون كل منهما متمما لوجود الآخر ينتجان باتحادهما بشرا مثلهما ، وقد بيناه في تفسير
( 3 : 13 زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ )
إلى آخره « 1 » وفي مقالات ( الحياة الزوجية ) من المنار ( المجلد الثامن ) وإنما قدمه هنالك على حب البنين لان الكلام في الآية على حب الشهوات ، وهو أقوى الشهوات البشرية على الاطلاق ، وأخره هنا لان الكلام في الحب المعارض لحب اللّه ورسوله والجهاد في سبيله وما يخشى من حمله على موالاة أهل الكفر في الحرب على المؤمنين ، وقلما تكون زوج الرجل معارضة له في دينه وولاية من يدين للّه بولايته ، كما يعارضه أبوه وابنه واخوه من أهل الحرب دون امرأته . وروعي الترتيب الطبيعي في علاقة هذه الأصناف الخمسة بالمرء ودرجات لصوقها به في الحياة على طريقة الترقي في قوله تعالى :
( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ )
وهذه
هامش
( 1 ) يراجع في ص 239 ج 3 تفسير
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 230 | الشيخ محمد رشيد رضا