الذي لا يشوبه ولا يعقبه سخط . يدل على هذا المعنى زيادة لفظ رضوان في المبنى على لفظ رضى مع تنكيره ويؤيده الحديث الصحيح الآتي :
وَجَنَّاتٍ
تجري من تحتها الأنهار في دار الكرامة وجوار الرحمن
لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ
اي لهم فيها نعيم عظيم خاص بهم دون من لم يؤمن ولم يهاجر هجرتهم ولم يجاهد جهادهم ، مقيم دائم لا يزول على عظمه وكماله الذي يدل عليه تنكير لفظه في هذا السياق أيضا
خالِدِينَ فِيها أَبَداً
أي مقيمين في تلك الجنات إقامة دائمة أبدية ، أكد الخلود بالابدية لان معناه اللغوي طول المكث والإقامة كما قال
( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ )
وتقدم تفسير الخلود والأبد في مثل هذا اللفظ مرارا
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
أي لان ما عند اللّه تعالى من الاجر على الايمان والعمل الصالح - وأعظمه وانفعه وأشقه الهجرة والجهاد - عظيم جدا لا يقدر قدره غيره جل جلاله وعم نواله ، وناهيك بالايمان الكامل الباعث على هجر الوطن ، ومفارقة الأهل والسكن ، وانفاق المال الذي هو مناط رغائب الدنيا ونعيمها ، وبذل النفس التي هي العلة الغائية للبشر من وجودهم ، جهادا في سبيل اللّه وهي الطريق التي شرعها ، والسنن التي سنها لاعلاء كلمته ونصر رسوله ، وإقامة ما شرعه من الحق والعدل لعباده ، فلا غرو ان يبشرهم بجميع أنواع الاجر والجزاء الروحية والجسدية . فالاجر الروحاني قسمان ، عبر عنهما بالرحمة والرضوان ، وهما رتبتان أو درجتان ، نكرهما للدلالة على التنويع والتعظيم الذي نطقت به الآية الثانية ، فهذه الرحمة الخاصة ، تشمل ما يخصهم به من العطف والاحسان في الدنيا والآخرة ، مما هو فوق رحمته العامة لكل الخلق ، التي وسعت كل شيء ، واما الرضوان وهو الاسم لكمال الرضاء كما تقدم فهو فوق نعيم الجنة كله ، فان اللّه يرحم من رضي عنه ومن لم يرض عنه ، وإن كانت رحمته لمن رضي عنه أعلى وأعظم ، والدليل على أن هذا الرضوان أعلى النعيم وأكمل الجزاء ، وأنه يكون في الجنة أكبر نعيمها قوله تعالى في هذه السورة
( 72 وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ، وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
فقد عطف الرضوان على ما قبله عطف جملة لا عطف مفرد للدلالة