وابن عباس أن الخطاب للمشركين ، والاستفهام فيه للانكار ، وتشبيه الفعل بالفاعل والصفة بالذات كاسناد كل منهما إلى الآخر من ضروب الايجاز المعهودة في بلاغة القرآن كقوله تعالى
( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ )
الخ وطريقة المفسرين في هذا معروفة وهي تحويل أحدهما إلى الآخر ليتحد المشبه والمشبه به ، والمسند والمسند اليه ، فيقولون هنا : أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل العمارة للبيت أو فاعل كل منهما ومتوليه كمن آمن باللّه واليوم الآخر الخ وهو الموافق لبقية الآية وما بعدها ، أو يقولون : أجعلتم هذه السقاية والعمارة كالايمان باللّه واليوم الآخر الخ ؟ والاستفهام للانكار المتضمن لمعنى النهي .
أي لا تفعلوا ذلك فإنه خطأ ظاهر كما بينه ما بعده . ونكتة هذا التعبير بيان أن هذا الفعل ليس كالفعل الآخر وأن الفاعل لكل منهما ليس كالآخر بل بينهما من التفاوت والدرجات ما بينه تعالى بيانا مستأنفا بقوله
لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ
إلى قوله
( أَجْرٌ عَظِيمٌ )
أي لا يساوي الفريق الأول الفريق الثاني في صفته ولا في عمله في حكم اللّه ولا في مثوبته وجزائه عنده في الدنيا ولا في الآخرة فضلا عن أن يفضله كما توهم بعض المسلمين وكما يزعم كبراء مشركي قريش الذين كانوا يتبجحون بخدمة البيت ويستكبرون على الناس به كما قال تعالى
( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ )
على القول بأن الضمير في ( به ) للبيت وإن لم يسبق له ذكر في الآيات التي قبل هذه الآية ، قالوا لان اشتهار استكبارهم وافتخارهم بأنهم قوامه وسدنته وعماره أغنى عن سبق ذكره ، وكانت العرب تدين لهم بذلك لامتيازهم عليهم به وبسقاية حجاجه وكذا ضيافتهم وإن لم تكن عامة كالسقاية لان الحاجة إليها لم تكن عامة إذ من المعلوم أن الحجاج كانوا وما زالوا أحوج إلى الماء في الحرم من الزاد لان كل حاج كان يمكنه أن يحمل من الزاد ما يكفيه مدة سفره إلى الحرم وعودته بعد أداء المناسك ولا سيما العربي القنوع القليل الأكل ولكن لا يمكنه أن يحمل من الماء ما يكفيه كل هذه المدة ولا نصفها ، ولذلك كان أول شروط استطاعة الحج الزاد لامكانه مع كفالة أولي الامر في الحرم لتوفير الماء فيه ، وحكومة السنة السعودية في هذا العهد تزداد عنايتها في كل سنة بتوفير الماء ونظافته لمئات الألوف من الحاج . وأما سقيهم الماء المحلى فقد بطل منذ قرون كثيرة لأنه صار