السدنة والسقائين - لا يعرف منهما كنه هذا الفضل ولا درجة أهله عند اللّه تعالى وكان ذلك مما يستشرف له التالي والسامع ، بينه تبارك اسمه بيانا مستأنفا يتضمن الرد على المؤمنين الذين تنازعوا في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أي الاعمال بعد الاسلام أفضل ؟ فقال
* * *
* * *
* * *
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ
هذه العندية حكمية شرعية ومكانية جزائية أي أعظم درجة وأعلى مقاما في الفضل والكمال في حكم اللّه ، وأكبر مثوبة في جوار اللّه ، من أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ، الذين رأى بعض المسلمين ان عملهم أفضل القربات بعد هداية الاسلام ، ومن غيرهم من أهل البر والصلاح ، الذين لم ينالوا فضل الهجرة والجهاد بنوعيه المالي والنفسي . يدل على هذا العموم في التفضيل عدم ذكر المفضل عليه
( فان قيل ) ان هذا التفسير يدل على أن ما يفتخر به المشركون على المؤمنين من السقاية والعمارة له درجة عند اللّه تعالى ولكن درجة الايمان مع الهجرة والجهاد أعظم - وقد سبق في الآيتين اللتين قبل هذه الآية خلاف ذلك ( قلنا ) لأمراء في كون هذين العملين من اعمال البر التي يكون لصاحبها درجة عند اللّه تعالى إذا فعلا كما يرضى اللّه ، ولذلك أقرهما الاسلام دون غيرهما من وظائف الجاهلية ، ولكن الشرك باللّه تعالى يحبطهما ويحبط غيرهما من اعمال البر التي كانوا يفعلونها كما تقدم
وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ
اي وأولئك المؤمنون المهاجرون المجاهدون هم الفائزون بمثوبة اللّه الفضلى وكرامته العليا المبينة في الآية التالية دون من لم يكن مستجمعا لهذه الصفات الثلاث ، وان سقى الحاج وعمر المسجد الحرام ، فثواب المؤمن على هذين العملين ، دون ثوابه على الهجرة والجهاد المذكورين ، ولا ثواب للكافر عليهما في الآخرة فان الكفر باللّه ورسله وباليوم الآخر يحبط أمثال هذه الاعمال البدنية ، وان فرض فيها حسن النية ، وقلما يفعلها الكافر إلا لأجل الرياء والسمعة
وههنا تستشرف النفس لمعرفة هذا الفوز المجمل فبينه تعالى بقوله
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ
في كتابه المنزل على لسان نبيه المرسل ، ثم على لسان ملائكته عند الموت
بِرَحْمَةٍ مِنْهُ
أي رحمة عظيمة خاصة من لدنه عز وجل
وَرِضْوانٍ
أي نوع من الرضى التام الكامل