تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
متعذرا لكثرتهم ، ولو كان ريع أوقاف الحرمين في الأقطار الاسلامية يضبط ويرسل إلى حكومة الحجاز لامكنها إعادته ووضع نظام لتعميمه في مكة أو منى هذا - وان فضيلة البيت الحقيقية التي بني لأجلها هي عبادة اللّه وحده فيه بما شرعه كما يحب ويرضى ، وقد جنى عليه المشركون ودنسوه بعبادة غيره فيه ، ثم بصد المؤمنين الموحدين له عنه ، كما قال
( هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ )
ثم إخراجهم إياهم من جواره لايمانهم بربوبيته وألوهيته تعالى وحده دون ما أشركوه معه كما قال للمؤمنين
( يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ )
وقال فيهم
( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ )
فأي مزية تبقى مع هذه الجرائم لخدمة حجارته واحتكار مفتاحه وسقاية المشركين من حجاجه ؟ وأي ظلم أشد من هذا الظلم في موضوعه ؟
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
إلى الحق في أعمالهم ، ولا إلى الحكم العدل في أعمال غيرهم ، أي ليس من سنته في أخلاق البشر وأعمالهم أن يكون الظالم مهديا إلى ما هو ضد صفة الظلم ومناف لها وهو الحق والعدل ، لأنه جمع بين ضدين بمعنى النقيضين ، والقوم الظالمون أشد إسرافا في الظلم من الافراد وأبعد عن الهدى بغرورهم بقوتهم وتناصرهم . ومن أقبح هذا الظلم تفضيل خدمة حجارة البيت وحفظ مفتاحه وسقاية الحاج على الايمان باللّه وحده المطهر للأنفس من خرافات الشرك وأوهامه - والايمان باليوم الآخر الذي يزعها أن تبغي وتظلم ويحبب إليها الحق والعدل ، ويرغبها في الخير وعمل البر ، ابتغاء رضوان اللّه لا للفخر والرياء - وعلى الجهاد في سبيل اللّه بالمال والنفس لاحقاق الحق وإبطال الباطل وترقية شؤون البشر في مدارج العلم والعمل . ومن المعلوم ان هذا الجهاد يشمل القتال والنفقة فيه وغيرهما من أنواع مجاهدة الكفار ، ومجاهدة النفس لابلاغها مقام الكمال . وهذه الجملة ظاهرة في الرد على المشركين ، وإبطال تبجحهم وفخرهم على المؤمنين ولما كان نفي استواء الفريقين ونفي اهتداء الظالمين إلى الحكم الصحيح في موضوع المفاضلة بينهما - وان اقتضيا بمعونة السياق تفضيل فريق المؤمنين المجاهدين على فريق