وحده فان الغالب والمغلوب فيه سواء ، وانما يدل هذا الاسناد على أنه تعالى سيحدث في أنفس المشركين في هذا القتال ألما نفسيا لعل اظهر أسبابه اليأس وسلب البأس ولذلك قال
وَيُخْزِهِمْ
بذل الأسر والقهر والفقر لمن لم يقتل منهم
وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
أكمل النصر وأتمه بحيث لا يعود لهم بعد هذه المرة قوة ولا سلطان يعودون به إلى قتالكم كما كان شأنهم بعد نصركم عليهم في بدر وغيرها
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
كان هؤلاء المشركون قد نالوا منهم ما نالوا في سلطانهم فكان في صدورهم من موجدة القهر والذل ما لا شفاء له إلا بهذا النصر عليهم وهؤلاء المؤمنون هم الذين غدر بهم المشركون كخزاعة والذين كانوا في دار الشرك عاجزين عن الهجرة
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
الذي كان وقر فيها إلى هذا العهد من غدر المشركين ، ومن ظلمهم لمن لم يكن له مجير من المسلمين ، فشفاء الصدور بعز الاسلام بالنصر العام الشامل لهؤلاء ولغيرهم هو غير ذهاب ما في قلوبهم من الغيظ والحقد على من غدرهم وظلمهم
ولما كان من أسباب كراهة المؤمنين لقتالهم حرصهم بعد ظهور الاسلام بفتح مكة على إيمانهم بالاقناع كما تقدم قريبا أخبرهم اللّه تعالى بأن هذا التعذيب والخزي الذي سينزله بهم لا يعمهم وإنما هو خاص بمن استحوذ عليهم الكفر وأحاط بهم حتى لم يبق فيهم استعداد للايمان وان غيرهم سيتوب من شركه ويقبل اللّه توبته فقال
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ
منهم فيوفقه للايمان ويقبله منه
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
يعلم ما لا تعلمون من استعدادهم في حالهم ومستقبل أمرهم ، ويشرع لكم من الاحكام فيهم ما تقتضيه حكمته في إقامة دينه واظهاره على الدين كله ، فمشيئته في التائبين والمصرين تجري بمقتضى علمه المحيط بشؤون خلقه وحكمته البالغة في السنن التي وضعها لسير الاجتماع البشري وفي الاحكام التي شرعها لهداية الناس . ومن سننه تفاوت البشر في العقائد والاخلاق والاعمال ، وقابلية التحول من حال إلى حال ، كدرجات تأثير الشرك في أنفس الافراد من قوة يترتب عليها الاصرار إلى الممات ، وضعف قابل للزوال في بعض الأوقات ، بما يطرأ على أصحابها من الأسباب والمؤثرات ، وليست مشيئته تعالى في التوبة على من يتوب عليه منهم اكراها لهم على الايمان كما تزعمه الجبرية ، ولا من الخلق الانف الذي تزعمه القدرية . بل هو بحسب المقادير الإلهية الثابتة بآيات التنزيل ونظام الاجتماع ، فلو كان بالجبر والاكراه لما كان لهم فيه اختيار ، يستحقون به دخول الجنة والنجاة من النار ، ولو كان بالخلق المستأنف لكان