تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
لعل اللّه علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الاسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في ايمانهم ، وعلم أنهم يعتذرون لأنفسهم في سرائرهم بما ليس بحق ولا مصلحة للاسلام ، وعلم اللّه أنه يوجد فيهم من المنافقين ومرضى القلوب من يزين ذلك لهم . واللّه يريد بهذه الأحكام تطهير جزيرة العرب من الشرك وخرافاته وتمحيص المؤمنين من النفاق ودناءاته - لهذا أعاد الكرة إلى إقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين المعتدين منهم بهذه الآيات الجامعة . فقال عز وجل * * * * * * * * *
أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
هذا تحريض على قتالهم بأوجه وجوه الأدلة وأقواها ، وأوضح أساليب البيان وأسماها . وهو أن الاستفهام للانكار الذي يحيل النفي اثباتا كما يحول الاثبات إلى النفي ، وقد دحل هنا على نفي القتال فكان دليلا على اثباته ووجوبه ، وأقام على هذا الوجوب ثلاث حجج ( أحدها ) نكثهم لايمانهم التي حلفوها لتأكيد عهدهم الذي عقدوه مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه في الحديبية - أو لعهدهم الذي عقدته أيمانهم - على ترك القتال عشر سنين يأمن بها الناس من الفريقين على أنفسهم ويكونون أحرارا في دينهم ، فلم يلبثوا أن نكثوا بمظاهرة حلفائهم بني بكر على خزاعة حلفاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما تقدم وكان ذلك ليلا بالقرب من مكة على ماء يسمى الهجير فكان نكثهم هذا من أفظع ما عهد من الغدر كما يدل عليه الشعر الذي أنشده عمرو بن سالم الخزاعي وهو واقف على رسول اللّه ( ص ) إذ كان جاءه لينبئه بذلك وهو قوله :
لاهمّ إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا
كنت لنا أبا وكنا ولدا * ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر هداك اللّه نصرا أيدا * وادع عباد اللّه يأتوا مددا
فيهم رسول اللّه قد تجردا * في فيلق كالبحر يجري مزبدا « 1 »
ابيض مثل الشمس يسمو صعدا * إن سيم خسفا وجهه تربّدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هامش
( 1 ) المعروف أن الفيلق من أسماء الجيش مؤنثة والبيت دليل على صحة تذكيره