وايقادها يحك الزندين من شجرتها واسند اليه إنشاء الشجرة . فعلم من السياق كله ان المراد بالزرع في قوله
( أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ؟ )
الانبات لما يزرع حتى يصير حبا وثمرا يؤكل ، ولم يفهم أحد من العرب الذين نزلت هذه الآيات لتقرب من عقولهم ما كانوا يستبعدونه من البعث بعد الموت أن اللّه تعالى ينفي عنهم فعل زرع الحبوب في الأرض التي يحرثونها ويثبتها لذاته وحده أو يريد أنه هو الذي يحرك أيديهم بفعل الزرع بدون إرادة لهم ولا اختيار فيه كما يحرك الدم في أجسادهم ، ويحرك أعضاء الجهاز الهضمي من المعدة والأمعاء في هضم طعامهم ، وإنما كانوا يفهمون منه أنه هو الذي جعل الأرض منبتة لما يبذرونه فيها ، بل هو الذي خلق الأرض والحب والماء والهواء ، وسخر هذه الأسباب لهم ولولا ذلك كله لما أمكنهم أن يزرعوا ، ولولا أنه يزيل موانع الانبات والآفات التي تفسد الزرع لما أمكن أن يستفيدوا منه بعد زرعه ونباته ، ولذلك قال بعده
( لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * : إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ )
ويستحيل ان يكون فعلهم في الحرث والزرع مما يجعل حطاما فإنه عرض زال ، وانما المراد الحاصل منه الذي يؤكل
وقد روي عن مجاهد تفسير تزرعونه بقوله تنبتونه ، وبه أخذ البغوي وابن كثير ، وهو تفسير له بما لولاه لم يكن له فائدة . وقال ابن جرير في تفسيره أأنتم تصيرونه زرعا أم نحن نجعله كذلك ؟ اه . فأنت ترى أن أهل التفسير المأثور ورواته لم يقولوا إن في الآية كلمة تدل على الجبر ، وكذلك فحول المفسرين بالمعقول ، وحاصل كلامهم أن الزرع أطلق على غايته وهو اخراج نبته وسلامته من الهلاك ، لا على بدئه الذي هو شق الأرض وإلقاء البزر فيها .
ويقال مثله في قوله تعالى
( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ )
وهو أن المراد بالتعذيب غاية القتال وفائدته وهو فعل اللّه وحده ، لا مبدؤه وهو كسب المؤمنين من قتل وجرح ، فهو كقوله تعالى في النصر يوم بدر
( 8 : 17 فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ )
وقد تقدم أنه لا دليل فيه على بدعة الجبر التي لم تكن تخطر في بال أحد من الصحابة رضي اللّه عنهم ( راجع ص 620 - 634 ج 9 تفسير ) على أن معنى التعذيب إيجاد العذاب الذي هو الشعور بالألم ، وهو من فعل اللّه لا من كسب البشر ، فهذه الآية أبعد من آية الأنفال عن الجبر وأهله ، وللعذاب هنا معنى آخر غير الشعور بالألم خطر لنا الآن وهو أن ما يصيب الجماعات والأمم من الآلام والشدائد يكون لبعضها تربية وتمحيصا تتهذب به أفرادها ، ويرتقي بها مجموعها ، وهو جدير بأن يسمى رحمة