تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
لكل شيء لا ينافي خلقه الإرادة والاختيار للعباد فيما أقدرهم عليه من الافعال . وانما أعدناه هنا لأن شبهة المجبرة في جملة
( يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ )
أقوى منها في كل ما سبق من الآيات التي يستدلون بها على الجبر وسيأتي مثلها في قوله تعالى من سورة الواقعة
( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ )
وفهم القرآن لا يكون صحيحا إلا بالجمع بين الآيات المتقابلة في الموضوع الواحد الذي يختلف التعبير فيه باختلاف الوجوه والاعتبارات التي ضلت الفرق بنظر كل منها إلى إحداها دون الأخرى مطلقا أو جعلها ما وافق مذهبها أصلا يرد غيره اليه بالتأويل قريبا كان أو بعيدا ، ومثل الجبرية مع القدرية هنا كمثل المرجئة مع الوعيدية من الخوارج وغيرهم في آيات الوعد والوعيد ، فهؤلاء كلهم من « الذين جعلوا القرآن عضين » وضربوا بعضه ببعض والذي حققناه في مسألة أفعال العباد مرارا أنه قد ثبت بالحس والوجدان ، وبالمئات من آيات القرآن ، أن للناس أفعالا يأنونها بإرادتهم وقدرتهم واختيارهم تسند إليهم ويشتق منها صفات لهم ، ويستحقون الجزاء عليها في الدنيا والآخرة ، وان اللّه تعالى الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى هو الذي أعطاهم القدرة والإرادة والاختيار ، كما أعطاهم الأعضاء والحواس ، وهو الذي سخر لهم ما تتعلق به أعمالهم في معايشهم ومنافعهم ، وهو يسند إليهم هذه الاعمال ويصفهم بها في مواضع كثيرة في المقامات التي تقتضي هذا الاسناد أو الوصف ، ويسند بعضها إلى ذاته وإلى مشيئته ويصف نفسه بما يليق به وصفه منها في المقامات التي تقتضي ذلك ، فكما قال في سورة الواقعة
( أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ )
قال في سورة الفتح
( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ )
ولكل مقام مقال . ووصف الزارع لم يرد في أسماء اللّه الحسنى ولا في صفاته مستقلا كما أنه لا يوصف تعالى بأمثاله من صفات أفعال العباد ولا تسند اليه كالأكل والشرب والقيام والقعود وأخص أفعال الضعف والنقص كالنوم والتعب والألم ، وانما يسند اليه تعالى بعض أعمالهم التي لا نقص فيها بأسلوب إقامة الحجة وتقرير بعض المسائل كقوله في الاستدلال بخلقهم على قدرته على بعثهم من سورة الواقعة
( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ؟ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ؟ )
الخ الآيات فاستدل أولا بخلقه المني الذي يولدون منه فأسند إليهم فعل اخراجه بالجماع وإلى ذاته خلق مادته ، ثم استدل بالنبات فاسند إليهم حرثه واسند اليه زرعه اي إنباته وجعله حبا وتمرا يؤكل فيتولد ذلك المي منه بدون فعل لهم فيه ، ثم بالماء فاسند إليهم شربه واسند اليه انزاله ، ثم بالنار التي يعالجون بها طعامهم المؤلف غالبا من النبات والماء فاسند إليهم ايراءها