من قبيل المحاباة في التفضيل الإلهي المحض لبعضهم على بعض وذلك ينافي العدل والحكمة .
وحاش للّه من ذلك ، ما كان للّه ان يحابي أعدى أعداء رسوله وأبغضهم اليه ( ص ) كوحشي قاتل حمزة أخيه في الرضاع وعمه ، وأبي سفيان المحرض الأكبر للعرب على قتاله ، وعكرمة بن أبي جهل فرعون هذه الأمة ، فيخلق لهم الايمان ويجبرهم عليه ، من حيث يحرم منه أبا طالب عمه وناصره بعصبة النسب وهو أحبهم اليه
وقد استدلت المجبرة ومنهم جمهور الأشعرية بهذه الآية على الجبر ونفي الاختيار فيما هو أظهر مما ذكر وهو إخباره تعالى بأنه هو الذي يعذب المشركين فيقتل بعضهم ويجرح آخرين بأيدي المؤمنين ، فهذا يدل بزعمهم على أن أيديهم كسيوفهم ورماحهم ليست إلا آلات لا تأثير لها البتة ، وأن الكسب الذي هو مناط التكليف اسم لا مسمى له ، ودلالة هذه الجملة عندهم أقوى في المسألة من دلالة قوله تعالى
( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى )
فان في هذا إثباتا لاسناد الرمي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من جهة مباشرته لأخذ التراب من الأرض وإلقائه على المشركين أو في جهتهم مع نفيه عنه ثم اسناده إلى اللّه تعالى من جهة أثره وهو وصول التراب إلى وجوههم ، وأما ههنا فقد اسند التعذيب إلى اللّه وحده وأنه يفعله بأيدي المؤمنين . وقد بينا آنفا أن لهذا التعذيب معنى وراء القتل والجرح الذي هو كسب المؤمنين وعملهم هو فعل اللّه وحده ، على أن الحق فوق المذهبين وان أريد بالتعذيب القتل والجرح كما تعلم من قول كبيري نظارهم وما نقفي به عليه تأييدا للمأثور عن السلف :
أجاب الجبائي امام المعتزلة عن الآية محتجا على المجبرة بأنه لو جاز أن يقال إنه تعالى يعذب الكافرين بأيدي المؤمنين ، لجاز أن يقال إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين ، ولجاز أن يقال إنه يكذب أنبياءه على ألسنة الكفار ، ويلعن المؤمنين على ألسنتهم ، لأنه تعالى خالق لذلك ، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد وانما نسب ما ذكر إلى نفسه على سبيل التوسع من حيث إنه حصل بأمره وألطافه كما يضيف جميع الطاعات اليه بهذا التفسير اه
حكى عنه هذا الجواب الرازي مدره الأشاعرة في تفسيره للآية وقال إن أصحابه يجيبون عنه بما خلاصته أنهم يلتزمون كل ما ألزمهم إياه اعتقادا ، وإن كانوا لا ينطقون به أدبا مع اللّه تعالى ، والرازي جبري قح ولا يلتزم كل الأشاعرة ما يلتزمه ويسنده إليهم ، فهذا البيضاوي من فحولهم يفسر تعذيب المشركين بأيدي المؤمنين بتمكينهم منهم ، وقد سبق لنا في مواضع من هذا التفسير تفنيد المذهبين وبيان ان خلقه تعالى