تعالى قد علم منهم أنهم يريدون الامتناع عن قتال المشركين خوفا منهم على أنفسهم ، وهذا غير معقول ولا سيما في الحال التي أنزلت فيها هذه الآيات بعد فتح مكة وهدم دولة الشرك ، وقد كانوا يقاتلونهم بغير جبن ولا احجام وهم قليل مستضعفون والمشركون في عنفوان قوتهم دولة وكثرة وثروة . وانما هذا احتجاج آخر على جماعة المسلمين الذين لا يخلون من المنافقين ومرضي القلوب والسماعين لهم من المؤمنين الذين كانوا يعظمون ما عظم اللّه ورسوله من أمر الوفاء بالعهد ، ويكرهون القتال لذاته إذا لم توجبه الضرورة كما قال تعالى فيهم
( 2 : 216 كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ )
الآية « 1 » أو لرجاء انتشار الاسلام بدونه بعد فتح مكة والطائف وهدم دولة الشرك - فهذا الذي اقتضى كل هذه الحجج والبينات على كون نبذ عهود جمهور المشركين دون من وفي منهم بعهده حقا وعدلا ، لا يتضمن خيانة ولا غدرا ، وان بقاءهم على حريتهم وهذه حالهم خطر لا تؤمن عاقبته . فهو تعالى يقول للمؤمنين بعد سوق تلك الحجج الثلاث التي تكفي كل واحدة منها لايجاب قتالهم : إنه لم يبق بعد قيام هذه البينات من سبب يمنع من قتالهم الا أن يكون الخشية لهم والخوف من قوتهم ، وخشية اللّه أحق وأولى من خشيتهم ، فان كنتم موقنين في إيمانكم فاخشوه وحده عز وجل وقد رأيتم كيف نصركم عليهم في تلك المواطن الكثيرة إذ كنتم ضعفاء وكانوا أقوياء . وفيه دليل على أن المؤمن حق الايمان يكون أشجع الناس وأعلاهم همة لأنه لا يخشى إلا اللّه عز وجل
ثم إنه بعد إقامة هذه الحجج البينة على وجوب قتالهم ودحض شبهة المانع منه صرح بالامر القطعي به مع الوعد القطعي باظهار المؤمنين عليهم أكمل الظهور وأنمه ، وهذا الوعد من أخبار الغيب التفصيلية في حال معينة فهو ليس كالوعد العام المجمل في نصر اللّه لرسله وللمؤمنين الذي يراد به ان العاقبة تكون لهم ولا يمنع أن تكون الحرب قبلها سجالا لتربية المؤمنين ، وقد صدق وعده تعالى مجملا ومفصلا . فقوله
قاتِلُوهُمْ
معناه باشروا قتالهم كما أمرتم فإنكم ان تقاتلوهم
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
بتمكينها من رقابهم قتلا ، ومن صدورهم ونحورهم طعنا ، يعقبهم في قلوبهم يأسا ، لا يدع في أنفسهم بأسا ، فالظاهر أنه تعالى أسند التعذيب إلى اسمه لأنه أمر زائد على أسبابه من الطعن والضرب ، وما يفضيان اليه من القتل والجرح ، وكل قوم يقاتلون فإنهم يصابون بالطعن والضرب ، ويقتل بعضهم ويجرح بعض ، ولا يسمون معذبين بذلك
هامش
( 1 ) يراجع تفسيرها في ص 319 ج 2 تفسير