تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وان نكث هؤلاء المشركون ما أبرمته أيمانهم أو ما أقسموا عليه أيمانهم من الوفاء بعد عهدهم الذي عقدوه معكم
وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ
أي عابوه وثلبوه بالاستهزاء به وصد للناس عنه وهو الذي عابه عليهم في الآيات المقابلة لهذه ، ومنه الطعن في القرآن وفي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما كان يفعل شعراؤهم الذين أهدر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دماءهم ، فهذا العطف بيان للواقع وإيذان بأن الطعن في الاسلام ، ضرب من ضروب نكث الايمان ، ونقض السلم والولاء ، كالقتال ومظاهرة الأعداء ، فهو من عطف الخاص على العام ، وليس المراد به تقييد حل قتالهم بالجمع بين الامرين ، بل هو كقوله
( ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً )
فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ
فقاتلوهم فهم أئمة الكفر أي قادة أهله وحملة لوائه ، فوضع الاسم الظاهر المبين لشر صفاتهم موضع ضميرهم ، وقيل إن المراد بأئمة الكفر رؤساء المشركين وصناديدهم الذين كانوا يغرونهم بعداوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويقودونهم لقتاله ، وذكر بعض من قال هذا منهم أبا سفيان وأبا جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف ممن كان قتل في بدر أو بعدها ، وذلك من الغفلة بمكان لان السورة نزلت بعد غزوة تبوك وبعد فتح مكة ( وفي أثنائه أسلم أبو سفيان ) وهذه الأحكام انما تثبت بعد أربعة أشهر من تاريخ تبليغها في يوم النحر من سنة تسع كما تقدم . وحملها بعضهم على الخوارج وبعضهم على فارس والروم وبعضهم على المرتدين بجعل الضمائر فيها راجعة إلى الذين تابوا وأقاموا الصلاة الخ واختاره الزمخشري إذ قال في تفسير
( فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ )
فقاتلوهم فوضع أئمة الكفر موضع ضميرهم اشعارا بأنهم إذا نكثوا في حال الشرك تمردا وطغيانا وطرحا لعادات الكرام الأوفياء من العرب ثم آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاروا اخوانا للمسلمين في الدين ، ثم رجعوا فارتدوا عن الاسلام ونكثوا ما بايعوا عليه من الايمان والوفاء بالعهود ، وقعدوا يطعنون في دين اللّه ويقولون ليس دين محمد بشيء ، - فهم أئمة الكفر وذوو الرياسة والتقدم فيه ، لا يشق كافر غبارهم ، وقالوا إذا طعن الذمي في دين الاسلام طعنا ظاهرا جاز قتله لان العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة اه ولا أدري ما الذي حمل هؤلاء المفسرين على اخراج الآية عن ظاهرها حتى إنهم رووا عن علي وحذيفة ( رض ) أنهما قالا ما قوتل أهل هذه الآية بعد ، يعنون انها نزلت في قوم يأتون بعد ، وزعم بعضهم أنهم الدجال وقومه من اليهود ، والحق أنها صريحة في مشركي العرب أصحاب العهود مع المؤمنين من بقي منهم ، ويدخل في حكمها كل من كانت حاله مع المؤمنين كحالهم . فكل من يجمع بين عداوتهم بنكث
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 191 | الشيخ محمد رشيد رضا