تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
يكون المعلق لازما أعم فيتحقق بدون ما جعل ملزوما له . وهذا من الجدليات اللفظية الباطلة فليس في المقام إلا مسألة الاحتجاج بمفهوم الشرط وهو من ضروريات اللغة كما بيناه في هذه المسألة نفسها من تفسير الآية الخامسة ، وما أوردوا على اطراده من بعض النصوص التي لا يظهر فيها القول بالمفهوم فمنه ما سببه ضعف الفهم ومنه ما له سبب خارج عن مدلول اللغة ، فمن ذلك قوله تعالى
( وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً )
بناء على أن مفهومه عدم النهي عن إكراههن إن لم يردن التحصن - وهو غفلة ظاهرة عن كون الاكراه انما يتحقق عند إرادة التحصن ولا يعقل عند عدمها وهو بذل العرض وبيع البضع ، ومنه قوله تعالى
( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً )
استشكل الأشاعرة القول بمفهومه على مذهبهم ، وما هو بمشكل إلا من حيث يكون حجة لخصومهم المعتزلة على عدم مغفرة الكبائر ، وما زال المتعصبون للمذاهب يجنون على اللغة وعلى نصوص التنزيل لابطال حجج خصومهم ، على أن المعلق على اجتناب الكبائر هنا أخص من المغفرة وهو أمران : تكفير السيئات والمدخل الكريم . وأين هذا وذاك مما نحن فيه من اشتراط شروط للانتقال من أمر إلى ضده المساوي لنقيضه أي من الكفر إلى الايمان ؟ هل يعقل أن يقال إن الايمان يحصل بحصول شروطه وإقامة أعظم أركانه ولا ينتفي بانتفائها ؟ ألا انه لا يعقل في حال النظر إلى الحقيقة نفسها وهي ظاهرة لا حجاب عليها ، ولكنه وقع بالفعل ممن صرف بصره عنها وأراد معرفتها بالاصطلاحات الجدلية ، والتعصب للمذاهب الكلامية أو الفقهية والحق في أصل المسألة ما حققناه في شرط الآية الخامسة وانما ذكرنا هذا هنا لان الذي أورد التفصي المذكور بهذه القاعدة هو إمام الجدليين فخر الدين الرازي ، أورده مختصرا ونقله الآلوسي عازيا إياه إلى « بعض جلة الأفاضل » وفصله بأوسع مما قاله الرازي فأردنا أن لا يغتر به من يغترون عادة بكل مباحث هؤلاء الأفاضل ، والذي دعا الرازي وغيره إلى التفصي من دلالة الآية على انتفاء اخوة الاسلام بانتفاء أداء الزكاة استشكالهم إياه بالفقير الذي لا يجب عليه ولا تقع منه ، وبالغني قبل وجوبها عليه بمرور الحول ، وأجابوا عنه في حال تسليم تلك القاعدة بأن من لم يكن أهلا لوجوب الزكاة عليه بالفعل تجب عليه ويكتفى منه بأن يقر بحكمها ويلتزمه عند وجوبه . وقد بينا من قبل ان الكلام في هذا المقام إنما هو فيما يشترط على جماعة المشركين في خروجهم منها ودخولهم في جماعة المسلمين ، وهو الاذعان لشرائع الاسلام بالاجمال ولفريضتي الصلاة والزكاة بالتعيين والتفصيل ، وأما أفراد المشركين فإنما يطالبون بكل من فريضتي الصلاة