يتعارف الاخوان في الدين إلا بإقامة الصلوات في المساجد وسائر المعاهد ، وبأداء الصدقات للمواساة بينهم ولإقامة غيرها من المصالح ؟ وهذه الاخوة أول مزية دنيوية للاسلام فان المشركين كانوا محرومين من هذه الاخوة العظيمة ، بعضهم حرب لبعض في كل وقت إلا ما يكون من عهد أو جوار قلما يفي به القوي للضعيف دائما
وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
أي ونبين الآيات المفصلة للدلائل ، الفاصلة بين الايمان والكفر وبين الحق والباطل ، والمفرقة بين الفضائل والرذائل ، لقوم يعلمون وجوه الحجج والبراهين ، فهم الذين يعقلونها دون الجاهلين من متبعي الظنون والمقلدين .
روى ابن جرير في تفسير الآية عن ابن عباس قال : حرمت هذه الآية دماء ، أهل القبلة . وروي عن ابن زيد قال : افترضت الصلاة والزكاة جميعا لم يفرق بينهما وقرأ
( فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ )
وأبى ان يقبل الصلاة إلا بالزكاة ، وقال رحم اللّه أبا بكر ما كان افقهه . وروى عن عبد اللّه ( أي ابن مسعود ) قال : أمرتم باقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، ومن لم يزك فلا صلاة له . اه وروى غيره عنه أنه قال كما قال ابن زيد بعده : رحم اللّه أبا بكر ما كان افقهه .
يعني بهذا قوله : واللّه لا أفرق بين شيئين جمع اللّه بينهما
وفي تفسير هذه الآية مباحث ( الأول ) أن الشرط فيها كالشرط في الآية الخامسة وانما اختلف الجواب لمناسبة السياق : وردت تلك الآية تالية تلو الامر بقتل المشركين فناسب ان يكون جواب الشرط فيها الامر بتركه وهو قوله تعالى
( فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ )
ووردت هذه الآية تلو إثبات رسوخ المشركين في كفرهم وضلالهم وصدهم عن سبيل اللّه وكونه هو الباعث لهم على قتال المؤمنين ابتداء ثم على نقض عهودهم فناسب ان يذكر في جواب شرطها
( فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ )
وهذه أجلب لقلوبهم وأشد استمالة لهم إلى الاسلام كما قال بعض المفسرين
( المبحث الثاني ) استدل بعضهم بها على كفر كل من تارك الصلاة ومانع الزكاة ، ذلك بأنه تعالى اشترط فيها لتحقق أخوة الايمان والدخول في جماعته ثلاثة أشياء : التوبة من الكفر وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، فانتفاء أحد هذه الثلاثة يقتضي انتفاء ما جعلت شرطا له وهو الاسلام ، وتفصى بعضهم من هذا بادعاء ان العبارة انما تدل على حصول الاسلام بحصول هذه الثلاثة فقط دون انتفائه بانتفائها فهذا يحتاج إلى دليل خارجي ، وأرجع ذلك إلى ما زعمه من أن التعليق بكلمة « ان » انما يدل على استلزام المعلق للمعلق عليه حصولا لا انتفاء فهو لا يقتضي انعدامه بانعدامه لجواز ان