تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
* * *
( 9 ) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 10 ) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ
* * * هذا بيان مستأنف لمن عساه يستغرب غلبة الفسق والخروج من دائرة الفضائل الفطرية والتقليدية على أكثرهم حتى مراعاة القرابة والوفاء بالعهد الممدوحين عندهم ، ويسأل عن سببه ، وجوابه :
اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا
أي إنهم استبدلوا بآيات اللّه الدالة على وجوب توحيده بالعبادة ، وعلى بعثه للناس وجزائهم على أعمالهم وعلى الوحي والرسالة وما فيها من الهداية ، ثمنا قليلا من متاع الدنيا وهو ما هم فيه من أسباب المعيشة ، وكثيره عند كبرائهم قليل بالنسبة إلى ما عند غيرهم من أمم الحضارة ، وما عند أغنى هؤلاء قليل بالإضافة إلى ما وعد اللّه تعالى المؤمنين في الدنيا ، وان ما وعدهم به في الآخرة لهو خير وأبقى . وقيل إن المراد بآيات اللّه تعالى العهود والايمان أو ما دل على وجوب الوفاء بها من كتابه ، وروي أن أبا سفيان لما أراد حمل قريش وحلفائها على نقض عهد الحديبية صنع لهم طعاما استمالهم به فأجابوه اليه فهو المراد بالثمن القليل ، وعن ابن عباس ان أهل الطائف امدوهم بالمال لقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والأول هو الظاهر وهو المناسب لما بعده المعطوف عليه بفاء السببية من قوله تعالى
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ
الخ وصد يستعمل لازما فيقال صد فلان عن الشيء صدودا بمعنى أعرض عنه وانصرف فلم يلو عليه ، ومتعديا فيقال صده عنه إذا صرفه ولفته عنه وزهده فيه أو منعه منه بالقوة ، ويصح إرادة المعنيين هنا أي فصدوا بسبب هذا الشراء الخسيس وأعرضوا عن سبيل اللّه وهو الاسلام وما يقتضيه من الوفاء بالعهود وصدوا غيرهم وصرفوهم عنه أيضا ،
إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي انهم ساء عملهم الذي كانوا يعملونه من اشتراء الكفر بالايمان والضلالة بالهدى ، والصدود والصد عن دين اللّه وما جاء به رسوله من البينات والحق * * *
لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً
أي من أجل هذا الكفر والصدود والصد عن الايمان لا يرعون في مؤمن يظهرون عليه ويقدرون على الفتك به ربا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 186 | الشيخ محمد رشيد رضا