تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
وأما معناه إذا كان بمعنى العهد فقول القائل :
وجدناهم كاذبا إلهم * وذو الال والعهد لا يكذب
وقد زعم بعض من ينسب إلى معرفة كلام العرب من البصريين ان الال والعهد والميثاق واليمين واحد ، وان الذمة في هذا الموضع التذمم ممن لا عهد له والجمع ذمم . وكان ابن إسحاق يقول عنى بهذه الثلاثة أهل العهد العام اه وأقول إن ألفاظ الال والعهد والميثاق واليمين يختلف مفهومها اللغوي وقد تتوارد مع هذا على حقيقة واحدة بضروب من التخصيص ، فالعهد ما يتفق رجلان أو فريقان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة ، فان أكداه ووثقاه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقا وهو مشتق من الوثاق بالفتح وهو الحبل والقيد ، وان أكداه باليمين خاصة سمي يمينا ، وقد يسمى ذلك لوضع كل من المتعاقدين يمينه في يمين الآخر عند عقده ، واليمين في الأصل اليد المقابلة للشمال والخلف . والظاهر أن من استعمل الال بمعنى العهد أراد به المطلق منه ، ومن هذه الالفاظ الحلف بالكسر وهو المحالفة أصله من مادة الحلف أي اليمين . وقول ابن إسحاق ان الكلام هنا في أهل العهد العام أراد بهم غير من استثناهم اللّه تعالى في الآية السابقة والآية الرابعة ، والصواب أنه يشمل أهل العهد الذين غدروا ويشمل من لا عهد لهم من المشركين بالأولى لأنهم لشدة عداوتهم للمؤمنين لم يريدوا في وقت من الأوقات ان يقيدوا أنفسهم معهم بعهد سلم مطلق ولا موقت ، فإن لم يشملهم بالنص شملهم بالحكم .
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ
أي يخادعونكم في حال الضعف بما ينبذون به من الكلام العذب الذي يرون أنه يرضيكم سواء كان عهدا أو وعدا أو يمينا مؤكدة لهما
وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ
المملوءة بالحقد والضغن ان تصدق أفواههم ،
( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ )
فهم ان ظهروا عليكم نكثوا العهود ، وحنثوا بالايمان ، وفتكوا بكم جهد طاقتهم
وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ
أي خارجون من قيود العهود والمواثيق متجاوزن لحدود الصدق والوفاء ، فالفسق على معناه في أصل اللغة وهو الخروج والانفصال يقولون فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها ويفسر في كل مقام بما يناسبه ، وانما وصف أكثرهم بالفسوق لأنهم هم الناكثون الناقضون لعهودهم وأقلهم الموفون وهم الذين استثناهم اللّه تعالى ، وأمر المؤمنين بالاستقامة لهم ما استقاموا لهم
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 185 | الشيخ محمد رشيد رضا