في القوة والغلب لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ؟ فالاستفهام واحد ووجه إنكار العهد ونفيه فيه مقيد بهذه الحال وانما أعيدت أداة الاستفهام للفصل المذكور .
يقال ظهر عليه - غلبه وظفر به ، وأصله علاه ، وأظهره عليه أعلاه عليه وجعله فوقه ، ومنه ( ليظهره على الدين كله ) وكذا أعلمه به . ورقب الشيء رعاه وحاذره وانتظره ، قال في الأساس : ورقبه وراقبه - حاذره لان الخائف يرقب العقاب ويتوقعه ، ومنه : فلان لا يراقب اللّه في أموره - لا ينظر إلى عقابه فيركب رأسه في المعصية . وبات يرقب النجوم ويراقبها كقولك يرعاها ويراعيها اه والال القرابة .
والذمة والذمام العهد الذي يلزم من ضيعه الذم كما في الأساس ، وكان خفر الذمام ونقض العهد عندهم من العار ، هذا أشهر الأقوال المأثورة في تفسيرهما هنا وهو مروي عن ابن عباس من عدة طرق عند ابن جرير وغيره . وروي عن مجاهد ان الال اسم اللّه عز وجل ، والمعنى أنهم لا يرقبون اللّه في نقض عهدهم ، وقد ورد لفظ إل وإيل من أسماء اللّه تعالى في العربية وشقيقتيها السريانية والعبرانية ، وهو اسم إله من آلهة الكلدانيين كما بيناه بالتفصيل في فصل المسائل المتممة للآيات التي وردت في محاجة إبراهيم لقومه في أربابهم وشركهم ( ص 565 ج 7 تفسير ) وروي عن قتادة تفسير الال بالحلف والعقد والعهد وهي متقاربة المعنى
وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الروايات في هذه المعاني ثم قال : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ان يقال إن اللّه تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المشركين الذين أمر نبيه والمؤمنين بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم وحصرهم والقعود لهم على كل مرصد - أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم إلا ، والال اسم يشتمل على معان ثلاثة وهي العهد والعقد والحلف والقرابة وهو أيضا بمعنى اللّه ، فإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة ولم يكن اللّه خص من ذلك معنى دون معنى فالصواب ان يعم ذلك كما عم بها جل ثناؤه معانيها الثلاثة فقال لا يرقبون في مؤمن اللّه ولا قرابة ولا عهدا ولا ميثاقا . ومن الدلالة على أن يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل :
أفسد الناس خلوف خلفوا * قطعوا الإل وأعراق الرحم
بمعنى قطعوا القرابة ، وقول حسان بن ثابت :
لعمرك إن إلك من قريش * كإل السقب من رأل النعام ( « * »
هامش
( * ) السقب بالفتح ولد الناقة الذكر حين يعلم عقب وضعه ، والرأل ولد النعام ، يعني ان قرابتك في قريش ليست ثابتة