نقضها إلا هذا الحي من قريش وبنو الديل من بكر ، فأمر باتمام العهد لمن لم يكن نقض عهده من بني بكر إلى مدته .
ثم قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال هم بعض بني بكر من كنانة ممن كان أقام على عهده ولم يكن دخل في نقض ما كان بين رسول اللّه ( ص ) وبين قريش يوم الحديبية من العهد مع قريش . وانما قلت إن هذا القول أولى الأقوال بالصواب لان اللّه أمر نبيه والمؤمنين باتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام ما استقاموا على عهدهم . وقد بينا ان هذه الآيات انما نادى بها علي في سنة تسع من الهجرة وذلك بعد فتح مكة بسنة فلم يكن بمكة من قريش ولا من خزاعة كافر يومئذ بينه وبين رسول اللّه ( ص ) عهد فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده لان من كان منهم من ساكني مكة كان قد نقض العهد وحورب قبل نزول هذه الآيات اه وهو رد للرواية التي تقدمت عن ابن عباس
فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ
أي فمهما يستقم لكم هؤلاء فاستقيموا لهم ، أو فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم ، إذ لا يجوز ان يكون الغدر ونقض العهد من قبلكم ،
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
الذين يجتنبون قطع ما أمر اللّه به ان يوصل وغير ذلك من محارمه ومن أعظمها الغدر ونقض العهود كما تقدم في تفسير الآية الرابعة فالظاهر الذي جرى عليه المفسرون ان هؤلاء المعاهدين المذكورين هم المذكورون هنالك ، وانما أعيد ذكر استثنائهم لتأكيده بشرطه المتضمن لبيان السبب الموجب للوفاء بالعهد وهو أن تكون الاستقامة عليه مرعية من كل واحد من الطرفين المتعاقدين إلى نهاية مدته ، وهذا زائد على ما هنالك من وصفهم بأنهم لم ينقصوا من شروط العهد شيئا ولم يظاهروا على المسلمين أحدا ، وتمهيد لبيان استباحة نبذ عهود الذين لا يستقيمون للمعاهد لهم إلا عند العجز عن الغدر حتى إذا ما قدروا عليه نقضوا عهدهم أو نقصوا منه كما فعلت قريش في نقض عهد الحديبية بمظاهرتهم لحلفائهم من بني بكر على خزاعة أحلاف رسول اللّه ( ص ) فقوله تعالى
( إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ )
إلى آخر الآية اعتراض بين قوله تعالى
( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ )
وقوله المفسر له :
* * *
( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ؟ )
والمعنى كيف يكون للمشركين غير هؤلاء الذين جربتم وفاءهم عهد مشروع عند اللّه مرعي بالوفاء عند رسوله والحال المعهود منهم المعروف من أخلاقهم وأعمالهم أنهم ان يظهروا عليكم