لكي يسمع أو إلى أن يسمع كلام اللّه ، فان هذه فرصة للتبليغ والاستماع ، فإذا اهتدى به وآمن عن علم واقتناع فذاك ، وإلا فالواجب أن تبلغه المكان الذي يأمن به على نفسه ، ويكون حرا في عقيدته ، حيث لا يكون للمسلمين عليه سلطان قهر ، ولا إكراه على أمر ؟ وتعود حالة الحرب إلى ما كانت من غير غدر
وسماع « كلام اللّه » يحصل بالقليل والكثير منه ، ولكن المراد الذي يقتضيه المقام أن يسمع منه تعالى ما يراه هو وتراه نحن كافيا للعلم بدعوة الاسلام ، أو القدر الذي تقوم به الحجة منه ، وهو ما يتبين به بطلان الشرك وحقيقة التوحيد والبعث وصدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في تبليغه عن اللّه عز وجل ، وكان العربي منهم يفهم القرآن ويشعر من نفسه بأنه معجز للبشر ، ويفهم حججه العقلية والعلمية على التوحيد والرسالة ، والبعث ، فإذا ألقى اليه السمع وهو شهيد لا يلبث أن يظهر له الحق ، في هذه الأصول ، فإن لم تصده العصبية والتزام العداوة للداعي لا يلبث أن يؤمن ، فإن لم يفعل كان له شأنه وحريته ، ولكنه يمنع من مساكنة المسلمين في دار الاسلام والحال والدار ما علمنا . وقيل إن المراد بالقرآن آيات التوحيد منه ، وقيل سورة التوبة خاصة أو ما بلغوه منها في الموسم إذ لم يكن كل مشرك سمعه ، والظاهر ما قلناه .
وقد قال بعضهم ان هذا منسوخ بقوله تعالى في الآية الآتية
( وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ) ،
وقال بعضهم بل محكم وهو الحق ، قال الحسن هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة ، واعتمده ابن جرير وعليه الجمهور ، والقول الأول مما لا يصح أن يحكى إلا لرده وابطاله ، لأنه يتضمن عدم وجوب تبليغ الدعوة حتى لطالبها ، بل منع طالبها من سماعها والعلم بها .
وقد ذكر الرازي وأبو السعود وغيرهما عن ابن عباس أنه قال إن رجلا من المشركين قال لعلي : إذا أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء هذا الاجل لسماع كلام اللّه أو لحاجة قتل ؟ قال : لا ، لان اللّه تعالى يقول
( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ )
الآية . فان صحت هذه الرواية كانت دليلا على أن طلب المشرك للأمان والجوار يقبل وإن لم يكن لأجل سماع كلام اللّه تعالى وان قال بعض المفسرين إن الحاجة في الرواية لا تعدو غرض الدين لان لقاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا يكون إلا لذلك ، أي فلا يجاب طلبه ان علم أنه لحاجة دنيوية ، وهذا القول غير مسلم فقد كانوا يطلبون لقاءه ( ص ) لأجل الكلام في الصلح وغيره من مصالح دنياهم ، والمتبادر من قوله تعالى
( حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ )
أنه غاية أو تعليل