تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
سنين ، وفي جواز إقامتهم بدارنا هذه المدة بلا جزية وجهان اه من كتاب الفروع . والتحقيق أن مثل هذه الأحكام التي لا نص فيها من الشارع تناط بالمصلحة وتفوض إلى أولي الامر من الأئمة والسلاطين وقواد الجيوش قال تعالى
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ
أي ذلك الامر بإجارة المستجير من المشركين ليسمع كلام اللّه أو إلى أن يسمع كلام اللّه بسبب أنهم قوم جاهلون لا يدرون ما الكتاب وما الايمان ، فأعرضوا عن دعوة الاسلام بجهل وعصبية وكانوا مغترين بقوتهم ، مصرين على جفوتهم ، فإذا كان شعورهم بضعفهم لصدق وعد اللّه بنصر المؤمنين عليهم قد أعدهم للعلم بما كانوا يجهلون وطلبوا الأمان لأجل ذلك ، أو لغرض آخر يترتب عليه امكان تبليغهم الدعوة واسماعهم كلامه عز وجل - وهو الحجة البالغة والشفاء لما في الصدور لمن سمعه باستقلال فكر - أجيبوا اليه لأنه هو الطريقة المثلى لتعليمهم وهدايتهم ، وانما بعثت أيها الرسول مبشرا ونذيرا ، ورؤوفا رحيما . وتدل الآية على أن الاعتقاد بأصل الدين يجب أن يكون علما يقينيا لا شك فيه ولا احتمال وان لم يكن منطقيا . ولا يكتفى فيه بالظن الراجح كالفروع العلمية ولا بالتقليد لأنه ليس بعلم ، والآيات المفرقة بين العلم والظن متعددة كقوله تعالى
( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
*
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
*
وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )
وقال الفخر الرازي في تفسير الآية : اعلم أن هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في الدين وأنه لا بد من النظر والاستدلال ، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا لوجب أن لا يمهل هذا الكافر بل يقال له اما أن تؤمن واما أن نقتلك ، فلما لم يقل له ذلك ، بل أمهلناه وأزلنا الخوف عنه ووجب علينا أن نبلغه مأمنه ، علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن التقليد في الدين غير كاف بل لا بد من الحجة والدليل ، فأمهلناه وأخرناه ليحصل له مهلة النظر والاستدلال ، إذا ثبت هذا فنقول ليس في الآية ما يدل على مقدار هذه المهلة كم يكون ولعله لا يعرف مقداره إلا بالعرف فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالبا للحق باحثا عن وجه الاستدلال أمهل وترك ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحق دافعا للزمان بالأكاذيب لم يلتفت اليه واللّه أعلم . اه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 180 | الشيخ محمد رشيد رضا