السلف والخلف ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي على أنه لا يكفر بل يفسق فيستتاب فإذا لم ينب قتل حدا عند مالك والشافعي وغيرهما ، وقال أبو حنيفة وبعض فقهاء الكوفة والمزني صاحب الشافعي لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي ، وحملوا أحاديث التكفير على الجاحد أو المستحل للترك وعارضوها ببعض النصوص العامة وحديث « لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه واني رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث :
الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة » متفق عليه من حديث ابن مسعود ورواه مسلم وبعض أصحاب السنن من حديث عائشة بما يفسر أو يخصص معنى المفارق للجماعة بالخارج المقاتل وهو « ورجل يخرج من الاسلام فيحارب اللّه ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض » وقد يقال إن ترك الصلاة كفر ومفارقة للجاعة فتاركها لا يدخل في عموم المستثنى منه ، فالحق في الجواب ما تقدم آنفا في سياق بيان حقيقة الاسلام . ولكن هؤلاء يقولون إنه يكفر بترك صلاة واحدة ويزعم بعض أنصارهم حتى من المستقلين كالشوكاني أن ترك الصلاة يصدق بترك صلاة واحدة وهو مردود فان المعنى الكلي كالجنس لا ينتفي بانتفاء فرد من أفراده فمن أفطر في يوم من أيام رمضان لا يعد تاركا لفريضة الصيام مطلقا ، ومن ترك بعض الدروس من طلاب العلم لا يعد تاركا لطلب العلم .
( فان قيل ) ان من ترك صلاة واحدة وصلى ما بعدها يكفر بترك ما ترك ويعود إلى الاسلام بأداء ما أدى ، ( قلت ) إذا كان ترك الأولى كفرا بمعنى الخروج من الاسلام فلا يصح من فاعله التلبس بالثانية إلا إذا جدد اسلامه بالتوبة من الكفر والنطق بالشهادتين ، ويترتب على القول بكفره أحكام عظيمة الخطر منها حبوط جميع ما عمل من خير وبر ، واستحقاق القتل ، وأنه إذا مات لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ويكون ماله فيئا لا يرثه ورثته . وناهيك بقول من قال لا يشترط في قتل المرتد استتابته وهي رواية عن أحمد كما أنه روي عنه أنه لا يكفر ، وقد ذكر السبكي في طبقات الشافعية أن الشافعي وأحمد تناظرا في تارك الصلاة فقال الشافعي يا أحمد أتقول انه يكفر ؟ قال نعم ، قال إذا كان كافرا فبم يسلم ؟ قال بقول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، قال الشافعي فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه ، قال يسلم بأن يصلي ، قال صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالاسلام بها ، فانقطع الإمام أحمد ( رحمهما اللّه تعالى )
وجملة القول أن الذي يطمئن به القلب ويقتضيه فقه الدين وكونه رحمة لا نقمة ، ومنحة لا محنة ، أن من كان صحيح الايمان والاسلام لا يخرج من الدين بترك
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 174
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص١٧٤