إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ )
الخ ، فمن ترك صلاة أو أكثر لبعض الشواغل وهو يستشعر أنه مذنب ويرجو مغفرة اللّه تعالى وينوي القضاء لا يكون تركه هذا منافيا لاذعانه النفسي لأصل الامر والنهي الذي يقتضيه الايمان اليقيني ، وان كان هذا الرجاء مع عدم العذر يعد من الغرور كما سنبينه قريبا . وأما عدم المبالاة بالصلاة وغيرها من فرائض الاسلام وأوامره ، وعدم الانتهاء عن الفواحش والمنكرات من نواهيه - فإنه ينافي الاذعان الذي هو حقيقة الاسلام ، ولا يعقل ايمان صحيح بغير اسلام ، ولا اسلام صحيح ظاهره كباطنه بدون إيمان ، فهما متلازمان في حال الامكان . فمن نطق بالشهادتين من الكفار وأبى أن يلتزم فرائض الاسلام وترك محرماته القطعية مصرحا بذلك لا يعتد باسلامه ومن لم يصرح ولم يفعل فهو مخادع قطعا ، وقد يظهر القيام ببعضها نفاقا ، كما ثبت عن بعض الإفرنج السياسيين ، أنهم أظهروا الاسلام لدخول الحجاز أو اختبار المسلمين .
وجملة القول أن المراد من اشتراط الثلاثة الأشياء للكف عن قتال المشركين بعد بلوغ الدعوة ، وظهور الحجة ، هي تحقق الدخول في جماعة المسلمين بالفعل ، فان التوبة عن الشرك وحدها وهي الشرط الأول لا تكفي لتأمينهم وإباحة دخول المسجد الحرام والحج مع المسلمين وسائر المعاملات التي تثبت لمن يقيم في الحجاز وسائر جزيرة العرب ، وإن كان التعبير عن هذه التوبة بالنطق بكلمة التوحيد أو الشهادتين كلتيهما كافيا في موقف القتال للكف عنه كما تقدم آنفا ولكنه لا يكفي بعد ذلك لمعاملة من ينطق بهما معاملة المسلمين في عامة الأوقات ، بل لا بد من التزام شرائع الاسلام وإقامة شعائره ، فمقتضى الشهادة الأولى لمن كان صادقا في النطق بها ترك عبادة غير اللّه تعالى من دعاء أو ذبيحة أو غيرهما ، ومقتضى الشهادة الثانية طاعة الرسول فيما يبلغه عن اللّه تعالى ، فإذا لم يكن العمل الذي تقتضيه الشهادتان مؤيدا لهما كانتا خداعا وغشا ، ولما كانت شرائع الاسلام القطعية من فعل وترك كثيرة وكان الكثير منها لا يتعلق به التكليف في حال الدخول في الاسلام كالصيام والحج من الأركان اكتفي باشتراط الركنين الأعظمين وهما الصلاة التي تجب خمس مرات في كل يوم وليلة وهي الرابطة الدينية الروحية الاجتماعية بين المسلمين ، والزكاة وهي الرابطة المالية السياسية الاجتماعية . ومن أقامهما كان أجدر بإقامة غيرهما
ومن المعلوم بالضرورة أن من قبل من المشركين أن يسلم ويصلي ويؤدي الزكاة وامتنع من الاذعان لصيام رمضان والحج مع الاستطاعة لا يعتد باسلامه أيضا ،