وقال الآخرون ان فيهما زيادة على ما في حديث أبي هريرة وزيادة الثقة مقبولة ، والمطلق يحمل على المقيد
والتحقيق أن المراد من الآية والأحاديث المختلفة الالفاظ في معناها واحد وهو ترك الكفر والدخول في الاسلام ، وللدخول في الاسلام صيغة وعنوان يكتفى به في أول الأمر ولا سيما مواقف القتال وهو النطق بالشهادتين . وقد يكتفى من المشرك بكلمة « لا إله إلا اللّه » لأنهم كانوا ينكرونها وهي أول ما دعوا اليه ، بل أنكر النبي ( ص ) على خالد بن الوليد قتل من قتل من بني جذيمة بعد قولهم « صبأنا » وقال « اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد » وذلك أنهم كانوا يعبرون بهذه الكلمة عن الاسلام فيقولون صبأ فلان إذا أسلم ، والحديث في مواضع من صحيح البخاري وغيره
وقد كان النبي ( ص ) يقول في كل مقام ما يناسبه والمراد واحد يعلم من جملة أقواله علما قطعيا وهو ما ذكرنا من ترك الكفر والدخول في الاسلام الذي لا يتحقق بعد النطق بعنوانه من الشهادتين أو إحداهما في بعض المواضع إلا بإقامة أركانه والتزام أحكامه بقدر الاستطاعة بحيث إذا ترك المسلم شيئا منها بجهالة من سورة غضب أو ثورة شهوة أو كسل تاب إلى اللّه تعالى واستغفره
ومن المعلوم أن اليهود من أهل الكتاب كانوا يقولون « لا إله إلا اللّه » فالنطق بها وحدها من أحدهم لا يدل على قبول الاسلام كما يدل قول أحد شركي العرب لها ، ووجدت طائفة منهم كانت تقول ان محمدا رسول اللّه إلى العرب وحدهم ، وقد اتفق علماؤنا بحق على أن من قال منهم « لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه » لا يعتد باسلامه الا إذا اعترف بعموم رسالته ( ص ) لقوله تعالى
( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً )
وما في معناه
فالاسلام هو الاذعان العملي لما جاء به محمد ( ص ) من أمر الدين فعلا كان أو تركا ولا يكون الاذعان بالعمل اسلاما صحيحا مقبولا عند اللّه تعالى الا إذا كان اذعانا نفسيا وجدانيا يبعثه الايمان بصحة رسالته . فان المنافقين كانوا يقولون للنبي ( ص ) :
نشهد انك لرسول اللّه ، ويصلون ويزكون ويجاهدون
( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ )
ومتى كان الايمان يقينيا ، كان الاذعان نفسيا وجدانيا ، وتبعه العمل بالضرورة في جملة التكاليف وعامة الأوقات ، ولا ينافيه ترك واجب في بعض الأوقات لصارف عارض ، أو فعل محظور لعارض غالب ، بحيث إذا زال السبب ندم المخالف ولام نفسه واستغفر اللّه كما تقدم آنفا ، وذلك قوله تعالى ( 4 : 16