أي فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرم عليكم قتال المشركين فيها فاقتلوهم في أي مكان وجدتموهم فيه من حل وحرم لأن الحالة بينكم وبينهم عادت حالة حرب كما كانت وانما كان تأمينهم مدة أربعة أشهر منحة منكم ، ومن قال إن الآية مخصوصة بما عدا أرض الحرم فهو غالط
وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ
أي وافعلوا بهم كل ما ترونه موافقا للمصلحة من تدابير القتال وشؤون الحرب المعهودة ، وأهمها وأشهرها هذه الثلاثة وأولها أخذهم أسارى فكانوا يعبرون عن الأسر بالأخذ ويسمون الأسير ( أخيذا ) والأخذ أعم من الأسر فان معنى الثاني الشد بالاسار كما تقدم في سورة الأنفال ، فالأسير في أصل اللغة هو الأخيذ الذي يشد . وقد أبيح هنا الأسر الذي حظر بقوله تعالى في سورة الأنفال
( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ )
لحصول شرطه وهو الاثخان الذي هو عبارة عن الغلب والقوة والسيادة ، فمن يسمي مثل هذا نسخا فله أن يقول به هنا ، والصواب أنه من المقيد بالشرط أو الوقت أو الاذن
والثاني الحصر وهو حبس العدو حيث يعتصمون من معقل وحصن بأن يحاط بهم ويمنعوا من الخروج والانفلات إذا كان في مهاجمتهم فيه خسارة كبيرة فاحصروهم إلى أن يسلموا وينزلوا على حكمكم بشرط ترضونه أو بغير شرط
والثالث قعود المراصد أي الرصد العام وهو مراقبة العدو بالقعود لهم في كل مكان يمكن الاشراف عليهم ورؤية تجوالهم وتقلبهم في البلاد منه . فالمرصد اسم مكان وخصه بعضهم بطرق مكة والفجاج التي تنتهي إليها لئلا يعودوا إليها لاخراج المسلمين منها ، أو للشرك في البيت والطواف فيه عراة . والصواب أنه عام وهذا أهم أفراده . ولعل القائل بهذا التخصيص لم يذكر المدينة وهي العاصمة لأنه لا خوف عليها يومئذ من المشركين بعد أن عجزوا عنها في عهد قوتهم وكثرتهم .
وهذه الآية هي التي يسمونها آية السيف واعتمد بعضهم أن آية السيف هي قوله الآتي
( 38 وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً )
وقال بعضهم إنها تطلق على كل منهما أو على كلتيهما . ويكثر في كلام الذين كثروا الآيات المنسوخة أن آية كذا وآية كذا من آيات العفو والصفح والاعراض عن المشركين والجاهلين والمسالمة وحسن المعاملة منسوخة بآية السيف . والصواب أن ما ذكروه من هذا القبيل ليس من النسخ الأصولي في شيء ، قال السيوطي في أقسام النسخ من الاتقان ما نصه :
( الثالث ) ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر