فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ )
وقد كان هذا الانفاق في العصر الأول موكولا إلى ايمان المؤمنين في يسرهم وعسرهم كما ترى في أخبار غزوة تبوك الجملة في السورة الآتية ( التوبة ) والمفصلة في السيرة النبوية ، ولا بد له من نظام في هذا العصر يدخل في ميزانية الدولة كما تفعل جميع الدول ذات النظام الثابت وسيأتي في سورة التوبة ان له سهما من مال الزكاة ، وهي قد نزلت بعد الأنفال مفصلة لكثير من اجمالها ، ومنه هذا الترغيب الصريح في الانفاق لاعداد القوى العسكرية وفيه إشارة إلى الترهيب ، وانذار على التقصير ، وقد صرح بمثله في قوله تعالى بعد آيات في شرع القتال من سورة البقرة
( 2 : 194 وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )
( القاعدة الخامسة ) تفضيل السلم على الحرب إذا جنح العدو لها ، إيثارا لها على الحرب التي لا تقصد لذاتها ، بل هي ضرورة من ضرورات الاجتماع تقدر بقدرها .
وذلك قوله تعالى عقب الأمر باعداد كل ما تستطيعه الأمة من قوة ومرابطة لارهاب عدوه وعدوها
( 61 وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها )
ولما كان جنوح العدو للسلم قد يكون خديعة لنا لنكف عن القتال ، ريثما يستعدون هم له أو لغير ذلك من ضروب الخداع ، وكان من المصلحة في هذه الحال أن لا نقبل الصلح منهم ، ما لم نستفد كل ما يمكننا منه تفوقنا عليهم - لم يعدّ الشارع احتمال ذلك مانعا من ترجيح السلم بل قال عز وجل
( 62 وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ )
وهو برهان على أن الاسلام دين السّلام ، لكن عن قدرة وعزة ، لا عن ضعف وذلة ، فراجع تفسير الآيتين في ( ص 69 )
( القاعدتان السادسة والسابعة ) المحافظة على الوفاء بالعهد والميثاق في الحرب والسلم وتحريم الخيانة فيه سرا أو جهرا ، كتحريم الخيانة في كل أمانة مادية أو معنوية أو غيرها مطلقا ومقيدا ، والآيات في ذلك متعددة محكمة لا تدع مجالا لإباحة نقض العهد بالخيانة فيه وقت القوة ، وعده قصاصة ورق عند امكان نقضه بالحيلة ، حتى أن اللّه تعالى لم يبح لنا أن ننصر إخواننا المسلمين غير الخاضعين لحكمنا على المعاهدين من الكفار كما قال في آية
( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ )
فراجع تفسيرها في ص 108