ومقاتليهم كانوا دائما ظالمين لهم ولأنفسهم ، لأن الرسل ما جاءوهم إلا بالحق والعدل ، وما تنازع أهل الحق والعدل ، مع أهل الباطل والظلم ، إلا وكانت العاقبة للمتقين وهم القسم الأول ، فنصر اللّه تعالى لرسله والمؤمنين القائمين بحقوق الايمان التي بيناها في مواضع من تفسير هذه السورة وغيرها كان الأصل الأصيل فيه أنه داخل في باب الأسباب الطبيعية الاجتماعية وسنة تنازع البقاء ورجحان الأمثل
ويخالفه من حيث إن وجود الرسول في المؤمنين له ضامن لالتزامهم الحق والعدل ومراعاة السنن العامة حتى إذا ما خالفوا وشذوا بنكوب السبيل مرة تابوا وأنابوا كما وقع من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوتي أحد وحنين ، ووقع ما هو أشد منه لبني إسرائيل مع موسى وغيره من أنبيائهم ( ع . م )
ويخالفه أيضا من حيث إن وجوده فيهم كان يكون سببا لتأييده تعالى إياهم بشيء من آياته كما وقع في غزوة بدر بامدادهم بالملائكة يثبتون قلوبهم ، وبالقاء الرعب في قلوب أعدائهم ، وبما كان من رميه صلّى اللّه عليه وسلّم إياهم بقبضة من التراب أصابت كل واحد منهم ، فأضعفت قلبه ، بل أطارت لبه ، وما كان من عناية اللّه تعالى برسوله والمؤمنين في خروجه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بدر ، وفي وعده إياهم احدى الطائفتين أنها لهم على الابهام ، وفي انزاله المطر عليهم حيث انتفعوا به من دون الكفار - فان هذه الأمور بجملتها كانت توفيق أقدار لاقدار في مصلحة المؤمنين فكانت عناية منه تعالى بهم ، أكثرها من طريق الأسباب الظاهرة التي لا يملكونها بكسبهم
وزد على ذلك ما ورد من الأخبار الصحيحة في بعض الخوارق الكونية له ( ض ) كاطعام الجيش الكثير من طعام قليل أعد لعدد قليل فبارك اللّه تعالى فيه - وكنبع الماء من بين أصابعه ( ص ) بما أمده تعالى به من مادة الماء الموجودة في الهواء على خلاف السنة العامة في تكوين الماء المبينة في قوله تعالى
( 24 : 42 أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ )
ومثله آية ( 30 : 47 )
( السنة السادسة ) كون التقوى والحذر في الاعمال من فعل وترك في الشؤون العامة والخاصة من اجتماعية وشخصية دينية أو دنيوية تكسب صاحبها ملكة يفرق بها بين الحق والباطل والخير والشر والمصلحة والمفسدة فيجري في أعماله على مراعاة ذلك في ترجيح الحق والخير والمصلحة على ما يقابلهن إلا فيما عساه يعرض له من جهالة أو سهو أو نسيان لا يلبث أن يرجع عنه إذا ذكر أو تذكر . قال تعالى
( 29 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً )
فراجع تفسيرها وتحقيق