قُلُوبُهُمْ
- إلى قوله -
يَتَوَكَّلُونَ )
وكل مها أصل مستقل في هذا الباب فنذكرها بترتيبها
( الأصل الثاني ) ان من شأن المؤمن الصادق أن يوجل قلبه عند ذكر اللّه تعالى ، والوجل استشعار المهابة والجلال ، أو الخوف والفزع ، وهو أنواع يبعث كل نوع من الذكر نوعا منها ، وتختلف باختلاف درجات المؤمنين ، وأعلى أنواعه شعور المهابة والعظمة والاجلال لربهم الرحمن الرحيم الخالق الرازق المدبر المسخر القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير ، ويليه الوجل من جهل العاقبة ، ومن العقوبة بالحجاب أو العذاب . وهذا الشعور بأنواعه آية الايمان الوجداني وثمرته
( الأصل الثالث ) أن من شأن المؤمن الصادق أن يزداد إيمانا إذا تلا أو تليت عليه آيات اللّه عز وجل ، بأن يربو شعوره في قلبه فيكون وجدانا لا يحوم حوله شك ولا ريب ، ولا يؤثر فيه مغالطة ولا جدل ، - وبأن يعطي فهما في القرآن ، بما يفتح عليه من معاني الآيات آنا بعد آن ، من مدلولات نصوصها وفحوى عباراتها ، ودقائق اشاراتها - وبما يؤتى من العبرة والموعظة بتدبره ، فيكون مزجيا له للعمل به ، - فالايمان يزيد بالكيف وبالكم جميعا ، ومن ذاق عرف ، وهذه آية الايمان المشترك بين العقل والوجدان ، وهما الباعثان على الاعمال
( الأصل الرابع ) ان من شأن المؤمن الصادق أن يتوكل على اللّه تعالى اي يكل أموره اليه وحده كما افاده الحصر بقوله في هذه الآية
( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )
وفي معناها آيات في هذه السورة وغيرها بعضها بصيغة الحصر كهذه الآية وبعضها بصيغ أخرى اقتضتها الحال ، ولكل مقام مقال
التوكل على اللّه تعالى أعلى مقامات التوحيد ، فالمؤمن الموحد الكامل لا يتوكل على مخلوق مربوب لخالقه مثله بل مشهده في المخلوقات انها أسباب سخر اللّه بعضها لبعض في نظام التقدير العام ، الذي أقام به أمور العالم المختار منها وغير المختار ، فكلها سواء في الخضوع لسننه في الأسباب والمسببات ، والسجود له في الانفعال بتقديره في نظام الكائنات ، وهي فيما وراء تسخيره إياها سواء في العجز عن النفع والضر إيجابا وسلما . فشأن المؤمن المتوكل في دائرة الأسباب ان يطلب كل شيء من سببه ، خضوعا لسننه تعالى في نظام خلقه ، وهو بذلك يطلبها من حيث امره ان يطلبها امرا تكوينيا قدريا ، وتشريعيا تكليفيا ، فإذا جهل الأسباب أو عجز عنها ، وكل امره فيها إلى ربه تعالى ، داعيا إياه ان يعلمه ما جهل بما سنه من أسباب العلم ومنها الالهام في بعض الأحيان - وان يسخر له ما عجز عنه من جماد أو حيوان