بصلة الرحم وهو أهم ما أمر اللّه به أن يوصل . ثم قال تعالى في صفة من يضلون عن هداية القرآن من سورة البقرة المدنية
( 2 : 27 الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ )
وقد سبق في تفسيرها أن العهد الإلهي قسمان : فطري خلقي ، وديني شرعي « 1 »
وجملة القول أن أولوية أولي الأرحام بعضهم ببعض هو تفضيل لولايتهم على ما هو أعم منها من ولاية الايمان وولاية الهجرة في عهدها ولكن في ضمن دائرتهما فالقريب أولى بقريبه ذي رحمه المؤمن المهاجري والأنصاري من المؤمن الأجنبي ، وأما قريبه الكافر فإن كان محاربا للمؤمنين فالكفر مع القتال يقطعان له حقوق الرحم كما قال تعالى في سورة الممتحنة
( 60 : 1 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ )
الآيات . وإن كان معاهدا أو ذميا فله من حق البر وحسن العشرة ما ليس لغيره . قال تعالى في الوالدين المشركين
( 31 : 25 وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً )
ثم قال في الكفار عامة
( 60 . 8 لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )
فالبر والعدل مشروعان عامان في حدود الشرع ، ومحل تفصيل هذا البحث تفسير سورة الممتحنة
ثم ختم اللّه تعالى هذه السورة بقوله
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
فهو تذبيل استئنافي لاحكام هذا السياق الأخير بل لجميع احكام السورة وحكمها ، مبين انها محكمة لا وجه لنسخها ولا نقضها ، فالمعنى أنه تعالى شرع لكم هذه الأحكام في الولاية العامة والخاصة والعهود وصلة الأرحام ، وما قبلها مما سبق من أحكام القتال والغنائم وقواعد التشريع وسنن التكوين والاجتماع ، وأصول الحكم المتعلقة بالأنفس ومكارم الأخلاق والآداب ، عن علم واسع محيط بكل شيء من مصالحكم الدينية والدنيوية . كما قال في السورة السابقة لهذه
( 7 : 51 وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ )
الآية
فنسأله تعالى في خاتمة تفسير هذه السورة ان يزيدنا علما وفقها باحكام كتابه وحكمه ، وأن يزيدنا هداية بعلومه وآدابه ، وأن يوفقنا لاتمام تفسيره على ما يحب ويرضى ، والصلاة والسّلام على من انزله عليه هدى للمتقين ، وأرسله به رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وسلام على المرسلين ، والحمد للّه رب العالمين
هامش
( 1 ) راجع ص 241 ج 1