تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
بثلاث سنين فالتحقيق أن آية الأنفال وسورتها نزلت قبل آيات الإرث وقبل سورتي النساء والأحزاب فهي مطلقة عامة والمعنى المتبادر من نص الآية وقرينة السياق أنها في ولاية الرحم والقرابة ، بعد بيان ولاية الايمان والهجرة ، فهو عز شأنه يقول : وألو الارحام بعضهم أولى ببعض وأحق من المهاجرين والأنصار الأجانب بالتناصر والتعاون - وكذا التوارث في دار الهجرة في عهد وجوب الهجرة ثم في كل عهد - هم أولى بذلك في كتاب اللّه أي في حكمه الذي كتبه على عباده المؤمنين وأوجب به عليهم صلة الارحام والوصية بالولدين وذي القربى في هذه الآية وغيرها مما نزل قبلها ، وأكده فيما نزل بعدها كآية الأحزاب في معناها وكقوله بعد محرمات النكاح
( كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ )
فهو قد أوجبه في دين الفطرة ، كما جعله من مقتضى غرائز الفطرة ، فالقريب ذو الرحم أولى من غيره من المؤمنين بولاء قريبه وبره ، ومقدم عليهم في جميع أنواع الولايات المتعلقة بأمره ، كولاية النكاح وصلاة الجنازة وغير ذلك . وهذه الأولوية لا تقتضي عدم التوارث العارض بين المهاجرين والأنصار والمتعاقدين على أن يرث كل منهما الآخر كما كانت تفعل العرب ، وإذا وجد قريب وبعيد يستحقان البر والصلة فالقريب مقدم كما قال تعالى
( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ )
وقال رسوله ( ص ) فيما رواه النسائي من حديث جابر بسند صحيح « ابدأ بنفسك فتصدق عليها فان فضل شيء فلأهلك ، فان فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فان فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا » أي فللمستحق من كل جانب . وهذا موافق لقوله تعالى في وصف أولي الألباب من المؤمنين بالقرآن من سورة الرعد المكية
( 13 : 22 الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ 23 وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ )
الآية . وعهد اللّه هنا يشمل جميع ما عهده إلى البشر من التكاليف سواء كانت بلفظ العهد كقوله
( 36 : 60 أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ )
الآيتين أو بلفظ آخر - ومنه
( 7 : 27 يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ )
وأمثاله من النداء في هذه السورة - ومن الوصايا في السورة التي قبلها ( الانعام ) كما يشمل ما عاهدوا اللّه عليه بلفظ العهد أو بدونه ، وما يعاهد بعضهم بعضا عليه بشروطه ، ومنها أن لا يكون على شيء محرم . ويدخل في العهد العام ما أوجبه من موالاة المؤمنين وحقوقهم ، ثم ذكر بعد صفة هؤلاء ما يقابلها من صفات الكافرين الذين يقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ، وهو ما ذكر هنا . وقفى عليه بالامر