بثلاث سنين فالتحقيق أن آية الأنفال وسورتها نزلت قبل آيات الإرث وقبل سورتي النساء والأحزاب فهي مطلقة عامة
والمعنى المتبادر من نص الآية وقرينة السياق أنها في ولاية الرحم والقرابة ، بعد بيان ولاية الايمان والهجرة ، فهو عز شأنه يقول : وألو الارحام بعضهم أولى ببعض وأحق من المهاجرين والأنصار الأجانب بالتناصر والتعاون - وكذا التوارث في دار الهجرة في عهد وجوب الهجرة ثم في كل عهد - هم أولى بذلك في كتاب اللّه أي في حكمه الذي كتبه على عباده المؤمنين وأوجب به عليهم صلة الارحام والوصية بالولدين وذي القربى في هذه الآية وغيرها مما نزل قبلها ، وأكده فيما نزل بعدها كآية الأحزاب في معناها وكقوله بعد محرمات النكاح
( كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ )
فهو قد أوجبه في دين الفطرة ، كما جعله من مقتضى غرائز الفطرة ، فالقريب ذو الرحم أولى من غيره من المؤمنين بولاء قريبه وبره ، ومقدم عليهم في جميع أنواع الولايات المتعلقة بأمره ، كولاية النكاح وصلاة الجنازة وغير ذلك . وهذه الأولوية لا تقتضي عدم التوارث العارض بين المهاجرين والأنصار والمتعاقدين على أن يرث كل منهما الآخر كما كانت تفعل العرب ، وإذا وجد قريب وبعيد يستحقان البر والصلة فالقريب مقدم كما قال تعالى
( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ )
وقال رسوله ( ص ) فيما رواه النسائي من حديث جابر بسند صحيح « ابدأ بنفسك فتصدق عليها فان فضل شيء فلأهلك ، فان فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فان فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا » أي فللمستحق من كل جانب .
وهذا موافق لقوله تعالى في وصف أولي الألباب من المؤمنين بالقرآن من سورة الرعد المكية
( 13 : 22 الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ 23 وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ )
الآية . وعهد اللّه هنا يشمل جميع ما عهده إلى البشر من التكاليف سواء كانت بلفظ العهد كقوله
( 36 : 60 أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ )
الآيتين أو بلفظ آخر - ومنه
( 7 : 27 يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ )
وأمثاله من النداء في هذه السورة - ومن الوصايا في السورة التي قبلها ( الانعام ) كما يشمل ما عاهدوا اللّه عليه بلفظ العهد أو بدونه ، وما يعاهد بعضهم بعضا عليه بشروطه ، ومنها أن لا يكون على شيء محرم . ويدخل في العهد العام ما أوجبه من موالاة المؤمنين وحقوقهم ، ثم ذكر بعد صفة هؤلاء ما يقابلها من صفات الكافرين الذين يقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ، وهو ما ذكر هنا . وقفى عليه بالامر