الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ . إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
كان المؤمنون في عصر النبي ( ص ) أربعة أصناف ( الأول ) : المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى قبل غزوة بدر ، وربما تمتد أو يمتد حكمها إلى صلح الحديبية سنة ست ( الثاني ) الأنصار ، ( الثالث ) المؤمنون الذين لم يهاجروا ، ( الرابع ) المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية ، وقد بين في هذه الآيات حكم كل منها ومكانتها فقال :
* * *
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
هذا الصنف الأول ، وهو الأفضل الأكمل . وقد وصفهم بالايمان والمراد به الايمان بكل ما جاء به محمد ( ص ) من توحيد اللّه تعالى وتنزيهه ووصفه بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ( ص ) ومن عالم الغيب كالملائكة والبعث والجزاء ، ومن الوحي والكتب المنزلة وغير ذلك من العقائد والعبادات والآداب والحلال والحرام ، والاحكام السياسية والمدنية ، وناهيك بسبق هؤلاء إلى هذا الايمان ومعاداة الأهل والولد والأقربين والأولياء لأجله - ووصفهم بالمهاجرة من ديارهم وأوطانهم فرارا بدينهم من فتنة المشركين إرضاء للّه تعالى ونصرا لرسوله ( ص ) - ووصفهم بالجهاد في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم ، فالجهاد بذل الجهد بقدر الوسع ومصارعة المشاق ، فأما ما كان منه بالأموال فهو قسمان : ايجابي وهو انفاقها في التعاون والهجرة ثم في الدفاع عن دين اللّه ونصر رسوله وحمايته ، وسلبي وهو سخاء النفس بترك ما تركوه في وطنهم عند خروجهم منه - وأما ما كان منه بالنفس فهو قسمان أيضا : قتال الأعداء وعدم المبالاة بكثرة عددهم وعددهم ، وما كان قبل ايجاب القتال من احتمال المشاق ومغالبة الشدائد والصبر على الاضطهاد ، والهجرة من البلاد ، وما في ذلك من سغب وتعب وغير ذلك
قال
وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا
وهذا هو الصنف الثاني في الفضل كالذكر ، وصفهم بأنهم الذين آووا الرسول ومن هاجر إليهم من أصحابه الذين سبقوهم بالايمان ، ونصروهم ، ولولا ذلك لم تحصل فائدة الهجرة . ولم تكن مبدأ القوة والسيادة . فالايواء يتضمن معنى التأمين من المخافة ، إذ المأوى هو الملجأ والمأمن ومنه
( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ
*
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ
*
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى
*
وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ
*
آوى إِلَيْهِ أَخاهُ )
وقد أطلق المأوى في التنزيل على الجنة وهو على الأصل في استعماله ، وعلى نار الجحيم وهو من باب التهكم ونكتته بيان أن من كانت النار مأواه لا يكون له ملجأ ينضوي اليه ولا مأمن يعتصم به . وقد كانت يثرب مأوى وملجأ للمهاجرين شاركهم أهلها في