تقدم من عمله السىء . وقد يكون هذا العذاب بالبرد إذ ورد أن فيها الزمهرير وأزيد الآن : أنه لا يبعد أن تكون شبيهة بالأرض من حيث أن فيها مواضع شديدة الحر كالأماكن التي في خط الاستواء ومواضع شديدة البرد كالقطبين إلا أنها أبعد من الأرض عن الاعتدال ، فحرها وبردها أشد ومصادرهما غير معروفة لنا . أعاذنا اللّه منها ومما يؤدى إليها من اعتقاد وقول وعمل بمنه وكرمه آمين .
هذا وان في الآيتين من هدم التقليد ما لا يخفى على ذي البصيرة ولكن الأستاذ الامام لم يتعرض له في الدرس بالنص بل قال كلاما يستلزم ذلك ويفهم منه . ذلك أن اللّه تعالى جعل تبين الرشد وظهوره في كتابه هو الطريق إلى الدين فلو لم يكن بيان الكتاب كافيا في أن يتبين للمكلف ما هو مطالب به لما صح قوله
« قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ »
ولا تفويض الأمر بعد البيان إلى الناظر ولما عد البيان اعذارا له وانذارا ، ولما التأم مع هذا قوله
« اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا »
الخ فان معنى هذه الآية أن أهل الايمان هم الذين وكلوا إلى ولاية اللّه تعالى وحده ، فلم يكن للبشر سلطان على عقائدهم ولا تصرف في هدايتهم أي إنهم ظلوا على فطرة اللّه التي فطر الناس عليها فنظروا في الدين بما غرز في فطرتهم من العقل والتمييز فتبين لهم الرشد فاتبعوه والغى فاجتنبوه والمقلد لم يتبين له شئ من ذلك وانما هو تابع لاعتقاد غيره فلا تسلم له ولاية الفطرة السليمة التي تؤيدها العناية الإلهية العظيمة وأما أهل الكفر فلهم أولياء من الطاغوت يتصرفون في اعتقادهم وهم يقبلون تصرفهم ثقة بهم وتعظيما لشأنهم . وهذا ليس بعذر عند اللّه تعالى بعد ما بين الرشد من الغى ، فتبين في نفسه حتى لا يمكن أن يخفى على من نظر فيه طالبا للحق من غير تعصب للأهواء ، ولا لتقاليد الآباء ، ويؤكد هذه المعاني قوله تعالى
« لَا انْفِصامَ لَها »
فإنه يفيد أن من تبين له هذا الرشد فإنه لا ينفك عنه والمقلد عرضة للترك والانفكاك ، لأنه لا يعرف قيمة ما هو فيه لذاته .
أقول : ومما يجب بيانه في تفسير هذه الآية أيضا الفرق بين ولاية اللّه للمؤمنين وولايتهم له وولاية بعضهم لبعض . فان الجاهلين لا يميزون بين الولايتين فيجعلون لبعض المؤمنين من الولاية ما هو للّه تعالى وحده . وذلك شرك في التوحيد خفى عند الجاهل جلى عند العارف ولا بد من تفصيل فيه