علينا أننا قد أمرنا بالقتال وقد تقدم بيان حكمة ذلك . بل أقول : ان الآية التي نفسرها نزلت في غزوة بنى النضير إذ أراد بعض الصحابة إجبار أولادهم المتهودين ان يسلموا ولا يكونوا مع بنى النضير في جلائهم كما مر ، فبين اللّه لهم ان الاكراه ممنوع وان العمدة في دعوة الدين بيانه حتى يتبين الرشد من الغى وان الناس مخيرون بعد ذلك في قبوله وتركه . شرع القتال لتأمين الدعوة ولكف شر الكافرين عن المؤمنين لكيلا يزعزعوا ضعيفهم قبل أن تتمكن الهداية من قلبه ، ويقهروا قويهم بفتنته عن دينه كما كانوا يفعلون في مكة جهرا ولذلك قال
( 2 : 193 وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ )
أي حتى يكون الايمان في قلب المؤمن آمنا من زلزلة المعاندين له بايذاء صاحبه فيكون دينه خالصا للّه غير مزعزع ولا مضطرب . فالدين لا يكون خالصا للّه إلا إذا كفت الفتن عنه وقوى سلطانه حتى لا يجرؤ على أهله أحد ( قال الأستاذ الامام ) وإنما تكف الفتن بأحد أمرين ( الأول ) إظهار المعاندين الاسلام ولو باللسان لأن من فعل ذلك لا يكون من خصومنا ولا يبارزنا بالعداء وبذلك تكون كلمتنا بالنسبة اليه هي العليا ويكون الدين للّه ولا يفتن صاحبه فيه ولا يمنع من الدعوة اليه ( والثاني ) وهو أدل على عدم الاكراه قبول الجزية وهي شئ من المال يعطوننا إياه جزاء حمايتنا لهم بعد خضوعهم لنا وبهذا الخضوع نكتفي شرهم وتكون كلمة اللّه هي العليا فقوله تعالى
( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ )
قاعدة كبرى من قواعد دين الاسلام وركن عظيم من أركان سياسته فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه ولا يسمح لأحد أن يكره أحدا من أهله على الخروج منه . وإنما نكون متمكنين من إقامة هذا الركن وحفظ هذه القاعدة إذا كنا أصحاب قوة ومنعة نحمى بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول فتنتنا في ديننا اعتداء علينا بما هو آمن أن نعتدى بمثله عليه إذا أمرنا أن ندعو إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة وأن نجادل المخالفين بالتي هي أحسن معتمدين على أن تبين الرشد من الغى بالبرهان : هو الصراط المستقيم إلى الايمان ، مع حرية الدعوة ، وأمن الفتنة ، فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار أي انه ليس من جوهره ومقاصده وإنما هو سياج له وجنة . فهو أمر سياسي لازم له للضرورة .
لا التفات لما يهذى به العوام ، ومعلموهم الطغام ، إذ يزعمون أن الدين قام بالسيف