تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
فلم يكن له بد من إجلائهم عن المدينة فحاصرهم حتى أجلاهم فخرجوا مغلوبين على أمرهم ولم يأذن لمن استأذنه من أصحابه باكراه أولادهم المتهودين على الاسلام ومنعهم من الخروج مع اليهود . فذلك أول يوم خطر فيه على بال بعض المسلمين الاكراه على الاسلام . وهو اليوم الذي نزل فيه
( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ )
قال الأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى كان معهودا عند بعض الملل - لا سيما النصارى - حمل الناس على الدخول في دينهم بالاكراه . وهذه المسألة ألصق بالسياسة منها بالدين لأن الايمان هو أصل الدين وجوهره عبارة عن إذعان النفس ويستحيل أن يكون الاذعان بالالزام والاكراه . وإنما يكون بالبيان والبرهان ولذلك قال تعالى بعد نفى الاكراه
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
أي قد ظهر أن في هذا الدين الرشد والهدى والفلاح والسير في الجادة على نور ، وأن ما خالفه من الملل والنحل على غى وضلال .
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
وهو كل ما تكون عبادته والايمان به سببا للطغيان والخروج عن الحق من مخلوق يعبد ، ورئيس يقلد ، وهوى يتبع ،
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
فلا يعبد إلا إياه ، ولا يرجو غيره ولا يخشى سواه ، يرجوه ويخشاه لذاته ، وبما سنه من الأسباب والسنن في عباده
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها
أقول : أي فقد طلب أو تحرى باعتقاده وعمله أن يكون ممسكا بأوثق عرى النجاة ، وأثبت أسباب الحياة ، أو فقد اعتصم بأوثق العرى ، وبالغ في التمسك بها ، وقال الأستاذ الامام : الاستمساك بالعروة الوثقى هو الاستقامة على طريق الحق القويم الذي لا يضل سالكه ، كما أن المتعلق بعروة هي أوثق العرى وأحكمها فتلا لا يقع ولا يتفلت . وقد حذف لفظ التي وذلك معروف عن العرب في مثل هذا الكلام ، وأقول : أفاد كلامه أن العروة في الآية مستعارة من عروة الثوب ويناسبه الانفصام ولعل الأقرب أن يراد بها عروة الشجر والنبات فهي التي لا ينقطع مددها بالقحط والجدب ، كأنه يقول : إن المبالغ بالتمسك بهذا الحق والرشد كمن يأوى بنعمه إلى ذلك الشجر والنبات النابت الذي لا ينقطع مدده ولا يفنى علفه . فإذا نزل الجدب والقحط بمن يعتمدون على الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ، كان هو معتصما بالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت